اقترض مليوناً.. نقرضك نصفه!

عبد الله بن ربيعان

نشر في: آخر تحديث:

ما زالت بوصلة وزارة الإسكان تذهب بها في الاتجاه الخاطئ الذي يعقد ويؤزم الأمور ولا يحلها أبداً. فالوزارة التي «صبحت» (بسكون الباء) الناس بالوعود و«غبقتهم» بالمسكنات طوال الأعوام الثلاثة الماضية ارتكبت هذا الأسبوع جناية كبيرة بحق الوطن والمواطن.

الوزارة وقعت هذا الأسبوع مع 14 مصرفاً وشركة مالية لتمويل محتاجي السكن بالقرض الإضافي. ولأن الوزارة لم تحل لب أزمة السكن الذي هو عرض الأراضي واحتكارها، فالتوقيع أو الاتفاق يصب الزيت على النار ليزيدها اشتعالاً. فالمواطن عليه أن يقترض مليون ريال من المصرف ليشتري أرضاً في المدن الأربع الرئيسة (الرياض، مكة، جدة، الدمام)، قبل أن يحصل على قرض الصندوق العقاري المقدر بـ500 ألف ريال للبناء على هذه الأرض.

الصندوق أيضاً ألزم مقترضيه بالاستفادة من قروضهم، واستلامها خلال عام واحد من دون إدراك لما يعنيه هذا القرار من ضرر على المواطن بتحميله ديوناً إضافية كان في غنى عنها لو قامت الوزارة بعملها كما ينبغي.

موضوع القرض الإضافي، يجب أن ننظر إليه اقتصادياً من خلال جانب الطلب، وجانب العرض، كما يلي:

أولاً: من جانب الطلب، إن الطلب على السكن ومنتجاته كبير، فالأرقام تقول إن ما يربو على 60 في المئة من المواطنين لا يملكون سكنهم الخاص. ولكن عند معدل الرواتب الحالي، ومعدلات أسعار الأراضي حالياً، وخصوصاً في المدن الأربع الكبيرة، فإن ما يستطيع الموظف اقتراضه، بالنظر إلى متوسط الرواتب، لن يشتري له أرضاً في كل الأحوال، إضافة إلى أن كثيراً من الموظفين عليهم قروض.

ثانياً: إن المواطن، وإن حصل على قرض كاف لشراء الأرض، سيسدد قرضين من راتب واحد؛ قرض المصرف الكبير بفوائده لشراء الأرض، وقرض الصندوق العقاري الخالي من الفوائد للبناء. وكما ذكر سابقاً، فإن معدلات رواتب المحتاجين فعلاً إلى السكن لا تمكنهم من سداد قرضين من رواتبهم الضعيفة أصلاً في وقت واحد! ولذا فإن إقدام وزارة الإسكان على تحميل المواطن قرضين بالتزامن من دون خفض قيمة الأراضي أولاً هو تضحية بالطرف الأضعف في سبيل الهرب، لعدم رغبتها أو عدم قدرتها على مواجهة الطرف الأقوى، وهم محتكرو الأراضي.

من ناحية العرض: أولاً، يبدو أن وزارة الإسكان وصندوقها العقاري لا يقرآن التاريخ جيداً، فزيادة الائتمان المصرفي في سوق محدودة العرض سينفخ الأسعار ويضخمها بلا مبرر منطقي. ولو عدنا إلى سوق الأسهم السعودية قبل انهيار 2006، لوجدنا أن الائتمان المصرفي ارتفع خلال العام 2005 بما يصل إلى 30 ضعفاً من حجمه قبل ثلاثة أعوام فقط. وكانت النتيجة المعروفة انهيار وخسائر للمواطن، في حين لم تتضرر المصارف التي بالغت في زيادة الائتمان، وكان ذلك السبب الفعلي للانهيار، بل سيلت محافظ الناس، واستردت أموالها، وتضرر المواطن فقط، دون المصارف.

ثانياً: ألا تعلم الوزارة وصندوقها أن سبب الأزمة العالمية التي ضربت العالم الغربي في أواخر 2008 كانت بسبب القروض العقارية؟ فـ«فاني ماي»، و«فريدي ماك» وغيرهما شركات إقراض عقاري توسعتا ومعهما المصارف الأميركية في إقراض الناس القروض الكبيرة، وكانت النتيجة أن الناس لم تستطع السداد لكبر حجم القروض، ونفخ أسعار العقار، وإقراض غير القادرين على السداد، لتنفجر الأزمة في النهاية.

ختاماً، وزارة الإسكان تفتقد الخطة والرؤية والوضوح في إدارة الأزمة، وتهرب من مواجهة الهوامير بتحميل المواطن (وهو الطرف الضعيف)، تبعات إخفاقها وتخبطاتها. وللأسف فإن نتاج الوزارة، التي أعطيت كل الدعم المالي والمعنوي، ما يزال صفراً على أرض الواقع، فالوزارة لم توزع متر أرض ولا «بلكة» وحدة سكنية لليوم. وكل ما سبق لها هو وعود ومماطلة وتمطيط لأزمة الوطن الأولى.

ومن خلال متابعة ما يصدر عن الوزارة من أقوال أو أفعال يتضح فعلاً أن بوصلتها ضائعة، وخططها غير فاعلة. وأعتقد أنه حان وقت تدخل الجهات العليا في البلد لإعادة توجيه بوصلة «الإسكان» إلى الاتجاه الصحيح قبل أن توقع الوزارة الناس في حبائل المصارف وديونها، وتقضي على الطبقة الوسطى في المجتمع بتحويلها إلى طبقة الدخول المنخفضة، وهو ما يعني أننا لم نتعلم من أزمات الآخرين، وما زلنا نكرر الأخطاء نفسها التي وقعوا فيها، والنتيجة الحتمية ستكون سيئة حتماً!.

*نقلا عن الحياة

goo.gl/YL5HgO

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.