عاجل

البث المباشر

إحسان علي بوحليقة

<p>كاتب سعودي</p>

كاتب سعودي

عيدية أطفال غزة

ذهبت صباحاً للسوق لأتبضع، وكان البائع باكستانياً، فسألته: هل ستفتح المحل في العيد؟ قال بتلقائية وبعربية مكسرة: كيف شوف غزة، وفي عيّد؟! دائماً الأمل معلق بالله سبحانه بأن تكون أحوالنا إلى الأحسن والأفضل، لكن ما قاله البائع الباكستاني يدور في خلد كل مسلم، بل كل إنسان، من استهداف «إسرائيل» للأطفال والنساء وللعزل وللمدنيين عموماً. بالأمس حقق هاشتاق لمحاكمة «إسرائيل» المرتبة الأولى في تويتر، ولاقى قبولاً ليس فقط من الأوساط العربية والإسلامية بل من مشاركين من بلدان الدنيا كافة، في إشارة تضامنية واضحة ضد الظلم والهمجية الإسرائيلية. وحتى لا أفهم خطأ، فلست مستغرباً من الوحشية والهمجية الإسرائيلية، لكن «إسرائيل» تُبدع دائماً في أساليب إيذاء اخوتنا وإهانتهم، فكلما قلنا إنها وصلت القاع الحضيض وجدت لنفسها قاعاً أعمق وحضيضاً أكثر انحطاطاً.

ورغم أن هناك من يريد أن ينظر لما تفعله «إسرائيل» في غزة من ثقب سياسي، غير أن الرؤية الطاغية هي إنسانية؛ فما تفعله «إسرائيل» هو حرب إبادة ضد سكان قطاع غزة، وليس أدل على ذلك ما انتشر من صور ومقاطع لحي الشجاعية، الذي له من اسمه نصيب كبير، ومع ذلك فقد حرصت «إسرائيل» على ألا تبقي حجراً فوق حجر، فلم نعد نرى إلا ركاماً، وهناك من وضع صورة للشجاعية قبل الافتراء الإسرائيلي وبعده، حتى يتضح حجم الدمار. وهكذا، فما تقوم به «إسرائيل» من قتل وتدمير في غزة ليس له ما يبرره إلا الحقد، وإلا كيف تستهدف تدمير المساكن التي يفترض أن تكون آمنة؟

النظرة إلى موضوع غزة يجب أن تكون إنسانية أولاً وقبل أي اعتبار آخر، وأن هناك طرفا تجرد من كل إنسانية، وأصبح يتصرف كمن فقد عقله لا يضع اعتبار للكرامة الإنسانية، وكما سبق أن أشرت، فليس ذلك مستغرباً أو مستكثراً على «إسرائيل» لكنها دائماً تفاجئنا بمقدار الكره الذي تكنه للعرب ولأطفالهم، مما يبرر أن نسعى سعياً حثيثاً لنأخذ «إسرائيل» لكل محاكم الدنيا لتنال عقاباً أدبياً أمام العالم بأسره، ولن يجد أي قاضٍ منصف صعوبة في الحكم لصالح الكرامة الإنسانية، ففظائع «إسرائيل» تملأ الشاشات والصحف وتدمي القلوب وتشغل العقول، إضافة إلى أن حكومة «إسرائيل» أخذت تلعب على المكشوف غير آبهة بأحد، مما يدفع للقول إنها دخلت حالة من الجنون الجماعي، بمعنى أن الحكومة هناك لم تعدّ تعرف إلا أن تستخدم المزيد من القوة التدميرية، لا يمنعها أي مانع أخلاقي. وهناك من لا يعول كثيراً على المحاكم، ولكن كيف نجرد «إسرائيل» من صورة الحمل الوديع مكسور الجناح، الذي ترسمها لنفسها، بأنها الشعب المشتت الذي صنع في الشرق الأوسط بؤرة للديمقراطية! لعل أهم إدانة هي المظاهرات من قبل يهود في الولايات المتحدة ضد ما يحدث في غزة، وكذلك مظاهرات في مدن أمريكية عديدة، وفي عواصم ومدن أوروبية، كلها تحركت لتدين ما تفعله «إسرائيل» من قتل وتدمير دون تمييز، وهذا يخالف كل القوانين والأعراف. ولذا، فليس أقل من أن نسعى بكل طريقة لمحاكمة إسرائيل، أقول هذا مدركاً أن جرائمها ضد العرب لا تحصى، وأن علينا أن نلاحقها مقابل كل معاناة لكل عربي شردته، ولكل طفل حرمته من أمه، فجرائم الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

وعلى الرغم من أن «إسرائيل» تبتدع أساليب جديدة في قتل العرب والولوغ في دمائهم، لكن المرتكزات ثابتة مستقرة تقوم على الترهيب دون أي احترام لمبادئ الإنسانية، لنأخذ مثلاً المذبحة الشهيرة في قرية دير ياسين، القتل الجماعي بدمٍ بارد، لينشر الخبر عند القرى المجاورة فتخلي منازلها وتغادر. أما الجديد في الطغيان الإسرائيلي ضد غزة فهو أنها محاصرة، فليس بوسع أحد أن يغادر، ومن يغادر مكانه فهو عرضة للقتل فليس ثمة ملجأ إلا الله سبحانه.

في هذا العيد، الذي أرجو من الله سبحانه أن يجعله عيداً مباركاً للمسلمين جميعاً تجتمع فيه كلمتهم على الخير والتحاب والمحبة، وأن نتخذ خطوة لمحاكمة «إسرائيل» مقابل جرائمها ضد الإنسانية. لست محامياً، لكني أدرك أننا أمام حالات يمكن أن تنظرها محاكم دولية متخصصة، حتى ندين «إسرائيل» ونجردها من كل أقنعتها الخادعة، فطرد «إسرائيل» من المجتمع الدولي هو الأساس باعتبار أنها دولة شاذة تبيح قتل العرب وأطفالهم فقط لأنهم عرب وإن كانوا رهن بيوتهم لا يحملون ولا يرفعون سلاحاً. في حال نجحنا في فعل ذلك، أي في جرجرة «إسرائيل» في المحاكم، ستكون تلك بمثابة عيدية لغزة لنفتح بعدها ملفات كل المجازر والجرائم الإنسانية التي ارتكبتها «إسرائيل» ضد عرب فلسطين، فما دام أنها هي قد لاحقت النازيين عن آخرهم في أدغال الأمازون، فمن حقنا أن نجعلها تتحمل نتائج جرائمها وهي قابعة بيننا تقتل أطفالنا في وضح نهار ودجى ليل رمضان ولن تتورع عن مواصلة ذلك أيام العيد. أعود لما قاله الباكستاني: «كيف شوف غزة، وفي عيّد؟!».

*نقلا عن اليوم

http://www.alyaum.com/article/4003839

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات