الصين والعصر الذهبي للغاز

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:

إن الحملة التي تقوم بها الصين للقضاء على الضباب الدخاني قد تكون فاتحة جديدة لعصر ذهبي للغاز، حيث إن الطلب على الغاز فيها من المتوقع أن يتضاعف على مدى السنوات الخمس المقبلة، حسب تقرير وكالة الطاقة الدولية الأخير عن أسواق الغاز على المدى المتوسط.

في عام 2013، أصبحت الصين ثالث أكبر مستهلك للغاز في العالم بعد الولايات المتحدة وروسيا، بعد ارتفاع الطلب على الغاز فيها بنحو 13 في المائة أو 20 مليار متر مكعب ليصل إلى 166 مليار متر مكعب سنويا. مع ذلك، لا يزال الغاز يشكل جزءا صغيرا نسبيا من مزيج الطاقة في الصين، حيث يمثل نحو 5 في المائة فقط من إجمالي استهلاك الطاقة. والصين أيضا ما زالت لاعبا صغير نسبيا في الأسواق العالمية، ذلك أن الطلب على الغاز فيها يمثل 4 في المائة فقط من الطلب العالمي، مقارنة بنحو 11 في المائة من الطلب العالمي على النفط ومستويات أعلى من ذلك بكثير بالنسبة للسلع الأخرى.

لكن هذا الوضع من المتوقع أن يتغير، حيث إن الطلب على الغاز في الصين من المتوقع أن ينمو بمعدل 10 في المائة سنويا على مدى السنوات الخمس المقبلة، ليصل إلى 315 مليار متر مكعب سنويا في عام 2019، حسب تقرير الوكالة. هذا التوقع إلى حد كبير متماشيا مع توقعات العديد من محللي الطاقة مثل وود ماكينزي. ذلك أن جميع هذه الدراسات تتوقع أن تدعم الحكومة الصينية التحول من الفحم نحو الغاز بعد أن تعهدت بالقضاء على الدخان الضار.

في هذا الجانب، اتخذت الحكومات المحلية خصوصا في بكين وشمال الصين حيث الضباب الدخاني الأسوأ هناك، مجموعة من التدابير للحد من نمو استهلاك الفحم والتخلص من المركبات عالية الانبعاثات. لكن على الرغم من الوعود بالتخلص من التلوث، كان التحسن بطيئا. حيث يشير تقرير الحكومة السنوي عن البيئة إلى أن ثلاث مدن فقط من مجموع 74 مدينة شملها الاختبار قد حققت معايير جودة الهواء المطلوبة.

الطلب على الطاقة الكهربائية سيكون المحرك الأكبر لنمو استهلاك الغاز، لكن القطاعات السكنية، الصناعية والنقل ستشهد جميعا نموا قويا، حسب وكالة الطاقة الدولية. في قطاع النقل، الصين سيكون لها أكبر أسطول في العالم من السيارات التي تعمل بالغاز الطبيعي بحلول العام المقبل مع استمرار الحكومة بناء البنية التحتية ومحطات تعبئة الغاز الطبيعي المضغوط والمسال. الحوافز الحكومية جعلت بيع الغاز لقطاع النقل أكثر ربحية من بيعه لقطاع الصناعة أو توليد الطاقة. نتيجة لذلك وقف منتجو الغاز وراء الدفع نحو استخدام مركبات الغاز الطبيعي، وبناء عمليات متكاملة من الحقل إلى محطات التعبئة، التي دعمت النمو القوي في هذا القطاع. مثل هذه المستويات العالية من الطلب على الغاز في الصين، تعتمد جزئيا على قدرة الحكومة على تعزيز توفير الغاز المنتج محليا بأسعار معقولة نسبيا، والتي ستدعم بشكل متزايد من قبل الواردات. من المتوقع ارتفاع إنتاج الغاز المحلي بنحو الثلثين، أو 76 مليار متر مكعب سنويا من 117 في عام 2012 إلى 193 مليار متر مكعب في عام 2019، هذه الزيادة من المرجح أن تجعل الصين واحدة من أكبر منتجي الغاز في العالم. ستساهم موارد الغاز الطبيعي التقليدية وغير التقليدية مثل السجيل الغازي وميثان الفحم الحجري وغيرها في هذه الطفرة في الإنتاج.

تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تحقق الصين أهدافها في رفع إنتاجها من السجيل الغازي إلى 6.5 مليار متر مكعب في عام 2015، بعد النجاحات الأخيرة التي حققتها شركة سينوبك في تشكيل فولينج. لكن التقرير لم يتطرق إلى ما إذا كان بمقدور الصين تحقيق أهدافها الأكثر طموحا برفع إنتاجها من السجيل الغازي بين 60 و100 مليار متر مكعب في عام 2020، على الرغم من أن التوقعات لمحت ضمنا إلى أن الصين ستفوت هذا الهدف.

من التحديات الأخرى هي كمية الغاز المفترض إنتاجها من بحر الصين الجنوبي. في هذا الجانب تحرص شركة النفط البحرية الوطنية الصينية على زيادة عملياتها في المياه الإقليمية، لكن النزاعات الإقليمية مع جيرانها بما في ذلك اليابان، فيتنام، الفلبين وغيرها، حول حقوق التنقيب يعقد عمليات التطوير المستقبلية.

على الرغم من أن التوقعات الحالية لوكالة الطاقة الدولية حول نمو إنتاج الغاز الصيني هي أكثر تفاؤلا من توقعاتها السابقة، إلا أن إنتاجها المحلي سوف لن يقترب من مواكبة الطلب. في أيار (مايو) الماضي وقعت الصين صفقة غاز كبيرة من روسيا بقيمة 400 مليار دولار، لكن من غير المرجح أن يبدأ تدفق الغاز الروسي إلى الصين بكميات كبيرة قبل نهاية العقد الحالي.

بدلا من ذلك، ستعمل الصين على زيادة وارداتها بصورة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال من السوق العالمية وإمدادات خطوط الأنابيب من آسيا الوسطى، وخاصة تركمانستان، مع كميات أصغر بكثير من الغاز قادمة من ميانمار. في هذا الخصوص تشير توقعات الوكالة الدولة إلى أنه بحلول عام 2019 ما يقرب من نصف واردات الصين ستأتي عبر الغاز الطبيعي المسال والنصف الآخر من آسيا الوسطى.

بالفعل تعمل الحكومة الصينية على تنويع مصادرها من الطاقة لتجنب الاعتماد الكبير على مورد واحد فقط، لذلك من المرجح أن تشهد الصين تدفق إمدادات الغاز الطبيعي المسال من جميع أنحاء العالم،، بما في ذلك أستراليا، الولايات المتحدة، كندا، شرق إفريقيا، ومنطقة البحر الكاريبي.

حسب توقعات الوكالة ستصبح الصين ثاني أكبر مستورد للغاز في العالم بعد أوروبا بحلول عام 2016، يعتبر هذا تحولا ملحوظا بالنظر إلى كونها بدأت في استيراد الغاز الطبيعي فقط في عام 2006.

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

http://www.aleqt.com/2014/08/06/article_873869.html

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.