عاجل

البث المباشر

فهد بن عبد الله الحويماني

<p>عضو جمعية الاقتصاد السعودية</p>

عضو جمعية الاقتصاد السعودية

القرض برهن الأسهم أم القرض الشخصي؟

بعض التنظيمات المالية تبدو في ظاهرها جيدة، كتعليمات مؤسسة النقد العربي السعودي للمصارف بإيقاف العمل بالتمويل المضمون بمحفظة الأسهم، حيث تم ذلك عقب الارتفاعات الكبيرة في سوق الأسهم في الفترة 2003 إلى 2006، فكان الحل الجاهز لوقف السيولة عن سوق الأسهم أن يُمنع التمويل عن طريق المحفظة للمتعاملين بالأسهم. حركة المال تشبه حركة الماء، إن أوقفته من جهة خرج عليك من جهة أخرى، وإن اعتقدت أنك أحكمت ربط مواسيره وحنفياته فستفاجأ بتسربات هنا وهناك. فكيف تصرف المتعاملون بالأسهم تجاه هذا القرار في السنوات الماضية، وما نتيجة ذلك على الأفراد وعلى الاقتصاد بشكل عام؟ وهل التمويل برهن الأسهم متاح الآن؟

لنبدأ بالسؤال الأخير عن واقع التمويل برهن الأسهم، فحسب علمي أنه الآن متاح من قبل بعض المصارف والوسطاء، وغير مسموح به في بعض المصارف، وهناك أسهم قابلة للرهن وأخرى غير قابلة للرهن. كما أن بعض المصارف يحدد نسبة الفائدة على الاقتراض بناء على عدد مرات التداول التي يقوم بها الشخص، فتنخفض التكلفة إذا كانت العمولات التي يحصل عليها المصرف أعلى من الفائدة على القرض، الأمر الذي يدفع العميل نحو المضاربة والمخاطرة.

لماذا ارتفع حجم القروض الاستهلاكية؟

بحسب التقرير المتميز الذي قامت به وحدة التقارير الاقتصادية في صحيفة "الاقتصادية" قبل أسبوعين، تضاعفت القروض الاستهلاكية في المملكة بشكل مخيف لتتجاوز 342 مليار ريال، بعد أن كانت فقط تسعة مليارات ريال قبل 16 عاماً، حيث تبين من خلال البيانات أن حجم القروض يزداد بالتزامن مع حركة سوق الأسهم. فنجد أن حجم القروض أخذ بالارتفاع المتواصل منذ عام 1998 حتى عام 2005، ثم تراجع لأربع سنوات بسبب انهيار سوق الأسهم، ومن ثم عاود الصعود بقوة منذ عام 2010. من الواضح أن غياب آلية القروض المرهونة بأسهم جعلت القروض الاستهلاكية تتضاعف بهذا الشكل المخيف، حيث نجد أن معظم النمو في القروض الاستهلاكية لم يأت من قروض "السيارات والمعدات" ولا قروض "ترميم وتأثيث وتحسين العقارات"، بل جاء النمو في بند "أخرى"، الذي تجاوز حجمه 237 مليار ريال من إجمالي القروض الاستهلاكية البالغة 342 مليار ريال. فقبل عام واحد من انهيار سوق الأسهم، كان حجم بند قروض "أخرى" فقط 78 مليار ريال وارتفع إلى 138 مليار ريال في عام الانهيار وبقي عند هذه المستويات حتى عام 2010، ليأخذ بعد ذلك بالصعود الحاد إلى أن وصل 237 مليارا في نهاية الربع الأول من عام 2014.

ما الفرق بين القرض الاستهلاكي وقرض الأسهم؟

القرض الاستهلاكي في المملكة يتم غالباً بضمان المرتب الشهري للشخص، حيث يُلزم المقترض بإيداع مرتبه الشهري لدى المصرف وعدم تحويله إلى مصرف آخر حتى يتم سداد المديونية، أما قرض الأسهم فإن الضامن فيه مجموعة الأسهم المكونة لمحفظة الشخص؛ لذا فإن هناك اختلافا كبيرا في المخاطرة على المقترض بين الطريقتين. على سبيل المثال، إن لم يتم التصرف بالقرض الاستهلاكي بطريقة سليمة، فسيجد الشخص نفسه في ورطة مالية تمتد لعدة سنوات، عليه خلالها الاستغناء عن ثلث راتبه الشهري لسداد المديونية. أما في حالة القرض المضمون بأسهم في محفظة الشخص، ففي حالة سوء التصرف أو سوء الحظ في سوق الأسهم، فلن يكون هناك على الشخص التزام مستقبلي ولن يستقطع شيء من مرتبه الشهري، حيث سيتم استيفاء الدين من الأسهم المكونة للمحفظة. لذا فإن الاقتراض بضمان الأسهم يتطلب بالضرورة وجود أسهم لدى الشخص، ما يعني أننا نتحدث عن شخص لديه ملاءة مالية جيدة نسبياً، والاقتراض بالنسبة له عبارة عن وسيلة استثمارية أو مضاربية بأموال زائدة عن حاجته، بينما من يقترض بضمان الراتب قد لا يكون لديه أي أصول أخرى، وقد يكون اقتراضه من أجل الاستثمار في الأسهم أو المضاربة بها. هذا يعني أن عواقب القرض الاستهلاكي - في حالة الإخفاق - قد تمتد لسنوات طويلة وهي تقتص من المرتب الشهري للمقترض، بينما عواقب القرض برهن الأسهم تكون فورية وليس لها تأثير على الدخل الشهري للشخص. كذلك نجد أن ملاءة المقترض بقرض استهلاكي غالباً تكون أقل من ملاءة من يقترض ولديه محفظة أسهم من الأساس؛ لذا فإن التوسع في القروض الاستهلاكية يعني في حقيقة الأمر تعريض أكبر عدد من الناس لمخاطر الاقتراض والدخول في سوق الأسهم، بينما منع القروض برهن الأسهم يعني منع القادرين على المخاطرة من ممارسة المخاطرة التي هم قادرون على تحملها. أي أننا نمنع الاقتراض لمن لديه الملاءة المالية الكافية، ونسمح بالاقتراض لمن ليس لديه الملاءة المالية الكافية! النتيجة الحتمية لهذا القرار غير الموفق هو أن اتجه كثير من الناس نحو القروض الاستهلاكية لاستخدامها في المتاجرة بالأسهم، بينما لو أن مؤسسة النقد سمحت للقروض المرهونة بأسهم (مع وضع ضوابط تنظيمية لها) لما اضطر عدد كبير من المضاربين والمستثمرين في سوق الأسهم لأخذ طريق القروض الاستهلاكية وما يصحبه من مخاطر والتزامات تمتد لسنوات طويلة.

لا ننسى كذلك أن هناك فئة من المتعاملين بالأسهم لا يستطيعون الحصول على قروض استهلاكية من المصارف، لأي سبب كان، فيضطرون عندئذ إلى طرق أبواب القنوات التمويلية خارج القطاع المصرفي، التي غالباً تكون تكلفتها أعلى بكثير مما هو متاح من خلال القروض الاستهلاكية أو القروض برهن الأسهم. وعلى الرغم من غياب الإحصاءات الرسمية حول حجم القروض خارج القطاع المصرفي إلا أن كثيرا من المتابعين يعتقدون أنها لا تقل عن حجم القروض المصرفية؛ لذا فإن منع القرض برهن الأسهم يؤدي إلى إجبار بعض المتعاملين في سوق الأسهم إلى القبول بمخاطرات عالية نتيجة إخفاق القطاع المصرفي في مدهم بالسيولة اللازمة.

ختاماً إذا كان لا بد للشخص أن يقترض فالأفضل أن يأتي الاقتراض برهن الأسهم لا برهن الراتب، وطالما أننا لا نستطيع منع الناس من الدخول في سوق الأسهم، ولا منعهم من الحصول على قروض استهلاكية، فليس من الحكمة إيقاف الاقتراض بالأسهم ودفع الناس نحو الاقتراض بمخاطرة أعلى من خلال القروض الاستهلاكية. كما أن من الضروري على مؤسسة النقد إعلان سياستها بشكل واضح حول آلية القروض برهن الأسهم وأن لا تجعلها غامضة وعشوائية، تختلف فيها شروط القروض وتكلفتها على المتعامل، وأن يمنع العمل بتحديد تكلفة التمويل اعتماداً على عدد عمليات البيع والشراء.

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية"

http://www.aleqt.com/2014/08/26/article_880251.html

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات