عاجل

البث المباشر

إحسان بوحليقة

<p>إحسان بوحليقة</p>

إحسان بوحليقة

ابحث عن قائد لينجز المهمة

من الصعوبة أن تجد لأرامكو السعودية منافسا، ليس بحكم الامتياز الشامل الذي تعمل وفقه، بل باعتبار نجاحاتها فيما يُعدّ همها الأساس وهو انتاج النفط. أما ما يهمنا هنا فهو نجاحات أرامكو على مدى عقود في تنمية المجتمع من حولها، من حيث التعليم والإسكان وحتى في دفع الرياديين من موظفيها ليطلقوا أعمالاً خاصة بهم ويصبحوا بعد ذلك نجوماً في دنيا المال والأعمال. وليس أدل على كثافة المزايا الشخصية والمجتمعية أن العمل في شركة الزيت ليس مجرد راتب للموظف بل يتعدى ذلك ليشمل علاج أسرته وسكنها والمدرسة التي يذهب إليها أبناؤه.

تواصل برنامج أرامكو لتنمية المجتمع –كما ذكرت- لعقود ولكن ليس بوتيرة جامدة، ولن أعدد لكني أمرّ مروراً خاطفاً على حالتين: الأولى تطور برنامج أرامكو للرعاية الصحية إلى أن استقطبت مستشفيات جون هوبكنز المرموقة، والثانية كيف انتقلت الشركة من اطلاق المخططات السكنية التامة الخدمات تباعاً لموظفيها إلى الإعلان عن برنامج «أجيال» العملاق.

يستحق كل من البرنامجين (الرعاية الصحية واسكان الموظفين) عرضاً فائضاً، لكن بعيداً عن الاستطراد وعلى صلة بما طرح هنا سابقاً فإن إطلاق «أرامكو للحلول المتكاملة» لإدارة وإسناد المشاريع، ليس «بيضة ديك» أي ليس طلقة يتيمة فريدة لن تتكرر، فهناك أفق لشركات أخرى عديدة بوسع أرامكو أن تخرجها من جعبتها، ليس من أجل أن تتربح وتتكسب ابتداء ولكن لتستخدم منهجيتها والمعرفة المتراكمة لديها، وهذا ينطبق على الرعاية الصحية وعلى الإسكان فهما رأس الأولويات، كما نسمع ونتابع يومياً. فما الذي يمنع أن تطلق الشركة ضمن برنامجها الطموح «للشراكات الجديدة» والذي أخرج لنا الشراكة مع جون هوبكنز.. أن يؤسس شركة لخدمات الإسكان كذلك؟

هناك من يكرر أن شركة أرامكو شركة زيت، نعم وتلك هي مهمتها الأولى، لكن الشركة راكمت تجربة ثرية هي حالياً حبيسة في حرز وآن الأوان أن تُحرر وتتهيكل وتفرز منها شركات وأنشطة؛ ويصبح لأرامكو السعودية منظومة من الشركات التي تؤدي المهمة الأساس للشركة وهي نمو الاقتصاد السعودي، وسيكون ذلك عملاً ريادياً، إذ يمكن إطلاق شركة في كل مجال.

والمؤمل كذلك أن تكون المنظومة فريدة، ويتحقق ذلك إن هي أُطلقت وفق مواصفات أرامكو الكلاسيكية وخلطتها التقليدية، التي يُمكن تلخصيها: ابحث عن قائد لينجز المهمة! فعند تتبع أنشطة الشركة على مدى العقود الستة الماضية ستجد أنها تختار من موظفيها من تسند له المهمة مهما كانت معقدة، ويكون دور الشركة إمداده بالموارد حتى يكمل العمل؛ فالنجاح سيسجل للشركة أولاً ولفريق العمل ثانياً ولمن قاد المهمة ثالثاً. وهكذا تَراكم لدى الشركة قدرٌ هائل من الرأسمال البشري المميز؛ مواطنون قادةٌ لديهم خبرة قيمة مداها من مدى أعمارهم بدءًا من انخراطهم في الشركة حتى يوم تقاعدهم، أما خلطة أرامكو فترتكز إلى فكرة ومنهجية وخطة وموارد وقائد مُجَرَّب ومُجَرَّب.

ورغم أن فكرة استلال شركات تابعة من رحم شركةٍ أم ليست جديدة فهي ممارسةٌ روتينية تأخذ بها جلّ الشركات المحلية والعالمية، وأرامكو ذاتها تمتلك كلياً أو جزئياً عدداً كبيراً من الشركات، أما ما استجد لإطلاق هذه الفكرة عاجلاً ما يتعرض له برنامج التنمية في بلادنا من انسدادات مربكة ويبدو أن أرامكو تملك مفاتيح تسليكها، فما ظاهرة تعثر المشاريع إلا مثال على تلك الانسدادات. وليس في الأمر سحر بل فيه منهجية مجربة، بلدنا في أمس الحاجة لها من حيث: الريادة والقيادة وتوفير الموارد والدعم المؤسسي، بما يؤدي لإنجاز المهمة وليس لتعليقها أو تأخيرها فذلك سيؤخر التنمية، وهذا ما لا ينبغي السماح به.

وعند التمعن ندرك أن أرامكو هي الحالة الأبرز لاعتبارات غير خافية، لكننا نملك العديد من الهيئات والمؤسسات والشركات التي لها تجربة ثرية وسجل نجاح مبهرّ، وبوسع هذه الكيانات أن تسهم في التنمية في مجالات بعينها، كالهيئة الملكية للجبيل وينبع وشركة سابك والهيئة العليا لتطوير الرياض، على سبيل المثال لا الحصر.

وباعتبار أننا نمرّ بمرحلة تعج بالتحديات التنموية، فيصبح لزاماً حشد ما لدى البلاد من إمكانات وإطلاقها لفك الاختناقات التي أعيت برنامج التنمية على مدى خططه السبع المنصرمة، والتي جمعت بينها سمة: أن أياً منها لم تكتمل مشاريعها ولم تتحقق أهدافها الزمنية ضمن الوقت المحدد! ولعلنا بحاجة ألا نتعامل مع خطة التنمية الخمسية العاشرة بالنمط ذاته، بل من المبرر إعلان حالة طوارئ تنموية وحشد طاقاتنا منهجياً لإنجاز ما نخططه. وفي هذا السياق، فلن يُجهِد الجهات الحكومية المعنية أن تنسق لإطلاق مبادرة وطنية تُفضي إلى جعل تحريك ملف التنمية أمرا تنخرط فيه كل منشآتنا الوطنية الحكومية وشبه الحكومية والأهلية، فالتنمية معركةٌ لابد أن ننتصر فيها.

* نقلا عن صحيفة "اليوم"

http://www.alyaum.com/article/4013287

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة