أمن الخدمات: مفهوم اقتصادي جديد

ذكاء مخلص الخالدي

نشر في: آخر تحديث:

دخلت إلى قاموس الأدبيات الاقتصادية في العقود الأخيـــرة مفاهــيم تناولت أنواعاً مختلفة من الأمن مثل: الأمن الــغذائي وأمن الموارد المائية وأمن الطاقة، وبخـــاصة أمـــن عرض النفط وأمن الطلب عليه، إلى غيرها من المواضيع. ويقصد بمفهوم الأمن هنا «عندما يكون لدى كل الأفراد في كل الأوقات قدرة الحصول على مقادير ونوعية من السلعة المعينة تمكنهم من ممارسة حياتهم اليومية وأنشطتهم الاقتصادية بسهولة».

وأود أن أضيف هنا إلى اللائحة، مفهوماً جديداً هو أمن الخدمات. وتشمل الأخيرة الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق. فبإستثناء الدول المتقدمة التي لا تعاني شحة في معروض الخدمات الأساسية، تمكن معظم الدول النامية، ما عدا الدول الفقيرة جداً أو التي تشهد إضطرابات أمنية أو حروباً أهلية أدت إلى تدمير عمل منشآتها الخدمية او إعاقتها، من المحافظة على مستوى مقبول من هذه الخدمات. ولو اعتبر هذا المستوى غير كافٍ خصوصاً لأغراض التنمية، إلا أنه كافٍ لأغراض تسيير الأعمال اليومية للأشخاص الطبيعيين والمعنويين كمستهلكين وكمنتجين. وقد لا تكون هذه الخدمات بالمستوى الأمثل من ناحية النوعية والكمية ولكن هناك على الأقل حداً أدنى يمكن التعايش معه. وكلما زادت أهمية السياحة في الاقتصاد وارتفعت أهمية تشجيع المشاريع الصغيرة واستدامتها لمحاربة البطالة، زادت أهمية توافر الحد الأدنى لهذه الخدمات وبأسعار معقولة. وعندما ينعدم توافر هذا الحد الأدنى وترتفع كلفته، يصبح عرض الخدمات دون مستوى الأمن ويدخل في نطاق الخطر على الأنشطة الاقتصادية وبالذات السياحة والصناعات الصغيرة، ناهيك عما يسببه هذا النقص من عرقلة لحياة الناس اليومية.

في لبنان لم تستطع الحكومات المتعاقبة منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1991 وعلى مدى ثلاثة وعشرين سنة، من تحقيق أمن الخدمات. فخلال هذه الفترة الطويلــة وعلى رغم المحاولات المتعددة والوعود الكثيرة، لم تتمـــكن من حل مشكلة الكهرباء. فما بين عدم كفاية الانتـــاج، وشكوى الجهات الرسمية من عدم قدرتها على جـــباية فواتير الكهرباء من كل المستهلكين، واتساع نطـــاق سرقة التيار الكهربائي، وما بين اعتصامات عمــال الكهرباء وإضراباتهم، ضاع أمن الكهرباء. وبدأت الجـهات الإعلامية تبشرنا أخيراً بوجود شح في المياه وضرورة البدء بتقنين الاستهلاك بسبب انخفاض مستوى الأمطار في فصل الشتاء الماضي. علماً أن لبنان هو واحد من ثلاث دول عربية فقط (إضافة إلى السودان والعراق) يفترض أن يتمتع بأمن مائي عالي.

صحيح أن بلداً مثل الأردن لم تتعرض بنيته التحتية إلى تخريب نتيجة لحروب داخلية أو خارجية لكنه استطاع رغم موارده المحدودة واعتماده كلياً على استيراد النفط، من توفير الكهرباء من دون انقطاع لكل أنواع الاستهلاك وبأسعار رخيصة قياساً الى أسعارها في لبنان. وإضافة إلى عدد سكانه البالغ 4.5 مليون، وهو نفس عدد سكان لبنان، هناك أكثر من مليون مقيم فيه منذ أكثر من عشرين سنة من عراقيين وجنسيات عربية أخرى، إلى جانب تنامي أنشطته السياحية بما فيها السياحة العلاجية بحيث أصبح الآن مركزاً مهماً لها في الشرق الأوسط. وعلى رغم اعتباره ضمن أفقر دول العالم بالمياه إلا أنه ما زال قادراً على توفيرها باستمرار على رغم حجم الطلب المتزايد عليها من خلال اهتمامه بإنشاء السدود وحسن إدارة مياه الأمطار.

في لبنان اعتاد الناس قسراً على تقنين خدمات الكهرباء الحكومية التي تتوافر لساعات محدودة في اليوم وفق المناطق، ورتبوا شؤونهم على أساس جداول التقنين المعتمدة. أما في الفترة المتبقية من اليوم، فيضطرون إلى تحمّل ساعات الانقطاع أو يلجأون إلى شرائه من أصحاب المولدات بأسعار يفرضونها من دون أسس معتمدة رسمياً أو رقابة من الدولة. ولكن الوضع تدهور أخيراً، فحتى ساعات التقنين لم تعد متوافرة. وعلى سبيل المثال، من ست ساعات يفترض أن تتوافر فيها كهرباء الدولة، لم يعد يتوافر إلا ساعتين أو ثلاثة، ينقطع التيار خلالها مرات. فإذا غضضنا النظر عما تسببه هذه الحالة من مشاكل للإستهلاك المنزلي، وأثر تكرار الانقطاع على سلامة الأجهزة الكهربائية، فأي خدمات سياحية وأية مشاريع صغيرة يمكن أن تنجح في ظل هذا المستوى من خدمات الكهرباء؟ ويروي بعض أصحاب المشاريع الصغيرة أن المشاكل المرتبطة بكهرباء الدولة وارتفاع كلفة شرائها من أصحاب المولدات اضطرتهم إلى إغلاق مشاريعهم.

فإذا كانت الدولة غير قادرة على معالجة توفير الكهرباء بطريقة كفوءة، لماذا لا تعطى هذه المهمات إلى البلديات والإدارات المحلية لتقوم هي بإنتاجها وتوزيعها وجباية فواتيرها؟

وإذا أضفنا إلى الكهرباء مشكلة المياه والطرق والصرف الصحي، يمكن القول إن معروض الخدمات الأساسية في لبنان هو دون حد الأمن وربما دونه كثيراً. كما إن استمرار الوضع على ما هو عليه الآن واستمرار عجز الحكومات المقبلة على حلّه، سيفاقم خطر انعدام أمن الخدمات على كل أوجه النشاط الاقتصادي والمعيشي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.