عاجل

البث المباشر

هل نحن أمام نظام جديد يحكم سوق النفط؟

سؤال يتم تداوله في السوق في ظل البحث عن حلول تضمن إعادة الاستقرار إلى سوق النفط والخروج من حالة ضعف وتراجع الأسعار، وضبط المعروض بما يخدم أمن الطاقة.

لا يختلف أحد على قوة أوبك في التأثير على مسار السوق، وذلك واضح من خلال امتلاكها 72% من إجمالي احتياطي النفط مع نهاية عام 2013 حسب الأرقام المنشورة في الإحصائية السنوية التي تصدرها شركه بي بي، وحالياً تقدر وكالة رويترز إنتاج أوبك من النفط الخام لشهر أكتوبر 2014 عند 31 مليون برميل يومياً، وتشير التقارير إلى أن الفائض التي تمتلكه أوبك حالياً يقدر عند 3 ملايين برميل يومياً، هذه أدوات تضع أوبك بلا شك في القيادة وإدارة المعروض في السوق، ولست في معرض إثبات نجاحات أوبك في حسن إدارة المعروض وضمان استقرار الأسواق بشهادة كل مراقب منصف في السوق.

ولكن هناك تطورات تشبه إلى حد كبير الفترة التي تم اكتشاف نفط بحر الشمال وتأثيره على السوق والتسعير آنذاك، والآن ومع آفاق تطوير النفط الصخري، والتنقيب في منطقة المحيط المتجمد الشمالي ويسمى ايضاً محيط أركتيك، أصبح موضوع بلوغ انتاج النفط الذروة من الماضي ويحل مكانه أن المعروض من النفط الخام في السوق سيكون السمة الغالبة لسنوات قادمة، وهو بلا شك يؤثر في معطيات السوق النفطية.

طبعاً تطوير انتاج النفط الصخري في السوق الأميركية كان له تأثير يستمر لسنوات قادمة ويشمل النواحي الآتية، بإيجاز، منها؛ (1) دعم صناعة التكرير لتصبح المصافي الأكثر ربحاً في العالم ولتتحول الولايات المتحدة الأميركية إلى سوق منتجة ومصدره للمنتجات البترولية إلى اميركا اللاتينية، وافريقيا، واوروبا، وتؤثر سلباً على صناعة التكرير في أوروبا والتي تعاني من عدة أمور وتسهم في إغلاق العديد منها بقصد إزالة الفائض من المصافي في أوروبا، (2) تصريف النفوط التي كانت في طريقها إلى الولايات المتحدة الأميركية في السابق، إلى الأسواق الواعدة وهو وضع يعني أن السوق أصبح سوقاً إيجابيا للمشتري ويعني أن المنتجين باختلافهم يبادرون إلى أساليب تسويقيه جديدة لضمان المحافظة في تلك الأسواق الواعدة،(3) دعم الاقتصاد الأميركي وضمان توفير وظائف بوتيرة متزايدة وأصبح تخصص الهندسة من التخصصات التي يقبل عليها في الجامعات الأميركية.

وعلى صعيد داخل أوبك، بدأ الحديث عن عودة إيران إلى السوق النفطية يكون أكثر جدية وينعكس فعلياً على ارتفاع مبيعات النفط الخام الإيراني إلى أسواق الصين والهند بشكل واضح، وإن كان بصفة تدريجية وبوتيرة متواضعة، ولكنها تبقي كميات إضافية تدخل سوق النفط، وقد استفادت من الحظر المفروض عليها في تبني أدوات واستراتيجيات خدمت إيران في تثبيت تواجدها في تلك الأسواق.

كذلك الوضع بالنسبة إلى ليبيا، بالرغم من الحالة السياسية غير المستقرة، إلا أن إنتاج ليبيا يرتفع ويعود إلى السوق بوتيرة عالية نسبياً، وقد بلغ إنتاج ليبيا من النفط الخام حاليا عند مليون برميل يومياً وهي زياده كبيرة، وتستهدف ليبيا الرجوع إلى المعدلات الطبيعية عند 1.7 مليون برميل يومياً.

أما العراق فإن إنتاجه ارتفع بشكل كبير وثابت خلال السنوات الماضية ويدعمه الاستثمار في مرافئ التصدير ويقدر حاليا عند 3.3 مليون برميل يومياً والتوقعات أنه في ارتفاع متواصل، وإن كان من الصعوبة الجزم بحجم الزيادة ولكن بالإمكان توقع 300 ألف برميل يومياً سنوياً، ونجاح العراق في تصدير نوعين من النفط وهما بصرة خفيف، وبصرة ثقيل، يقدم أريحيه للمشترين حول ثبات نوعية النفط ويعطي العراق المرونة للتسعير بأريحية خصوصاً النفط الثقيل وهو ما يساعدها في تأمين أسواق لنفطها تتناسب مع احتياجات الأسواق، حيث إن المصافي الجديدة لديها قدرات تكسيرية وتحويلية عالية تنجذب إلى النفوط الثقيلة إذا ما كان السعر مناسباً ويدعم اقتصاديات المصافي.

اعتدال تنامي معدلات الطلب العالمي على النفط وخصوصاً في الأسواق الواعدة التي تمثل الدعامة التي ترتكز عليها التوقعات في المستقبل، الصين مثلاً؛ ارتفع الطلب فيها خلال عام 2011 عن عام 2010 بمقدار 530 ألف برميل يومياً، وفي عام 2012 عن عام 2011 بمقدار 410 آلاف برميل يومياً، وفي عام 2013 عن عام2012 بمقدار 320 ألف برميل يومياً، وفي عام 2014 عن عام 2013 فقط 180 ألف برميل يومياً، وهو تطور غير واعد بالنسبة للسوق التي توجه استثماراتها النفطية سواء الخاصة برفع قدراتها الإنتاجية أو طاقه التكرير أو صناعة البتروكيماويات وأي مؤشرات في تراجع التنامي في السوق الصينية يمثل تهديدا وتحديا لصناعة النفط.

طبعاً انحسار تنامي الطلب إلى أسواق بعينها يزيد من المخاطر خصوصاً في حالة حدوث ركود اقتصادي من جهة، وكذلك تناقص وتيرة التنامي في الأسواق الواعدة يمثل تحدياً كبيراً أمام تصريف النفوط في أسواق آمنة، وهو مستجد يعني أن أمام المنتجين ظروفا تحتاج إلى مرونة وتنسيق واستثمار وعلاقات شراكه استراتيجية.

دور بيوت المضاربة في الأسواق الآجلة فاعل ومتنام في سوق النفط ويؤثر في مسار أسعار النفط وانطباعاتهم مهمة في تحديد توجهات الأسعار من خلال تحديد عمليات الشراء أو البيع في تلك الاسواق.

التصعيد الجيوسياسي هو تطور يؤثر في سوق النفط خصوصا عندما يعني انقطاعا في إمدادات النفط من السوق، ويستدعي تغطية النقص بشكل عاجل، كما أن ضعف هذه المعطيات تكون ثمرته وفرة نفطية في السوق ينبغي ضبطها في السوق وهو ليس بالأمر اليسير كما هو الحال الآن.

أرجو أنه تم التوضيح بشأن معطيات السوق التي تفرض على أوبك واقعا جديدا لا يقلل من قدرتها على ضبط إيقاع السوق النفطية ولكنه يؤكد الحاجة إلى تنسيق داخل الأوبك لاستيعاب الزيادات المتوقعة وضبطها مع الطلب العالمي على النفط، كذلك التنسيق من خارج الأوبك، لأن هبوط الأسعار لا يفيد البلدان المنتجة للنفط وهي تشمل دولا مستهلكة كبيرة مثل الصين وأميركا وكندا.

وبالنظر إلى الوضع في النصف الأول من عام 2015 فإن أرقام الطلب والعرض حسب مصادر السوق، تشير إلى أن الطلب على نفط الأوبك يكون عند 28.5 مليون برميل يومياً، ولكن استمرار الإنتاج عند 31 مليون برميل يومياً حسب تقديرات أولية في السوق فإن ذلك يعني فائضا بمقدار 2.5 مليون برميل يومياً، وهو يعني أن الضغوط على أسعار النفط تظل كبيرة ومرشحة للبقاء عند مستويات متدنية حتى يتم تحقيق توازن السوق.

* د. محمد الشطي، محلل نفطي ومدير مكتب الرئيس التنفيذي في مؤسسة البترول الكويتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة