«أوبك» تستطلع آفاق النفط العالمية

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

تبحث الأمانة العامة لمنظمة «أوبك» في تقريرها السنوي (2014) عن مستقبل النفط، في ميزان العرض والطلب خلال المديين القصير (2019) والبعيد (2040). وتشير الاستنتاجات الرئيسة للتقرير الذي نُشر الأسبوع الماضي، أن النفط سيستمر في تأدية دور أساس ورئيس في تلبية احتياجات العالم من الطاقة، نظراً إلى النمو المتزايد للاقتصاد العالمي، الذي سيزيد استهلاك النفط، والازدياد المرتقب في عدد سكان العالم، وارتفاع المستوى المعيشي لعدد كبير من سكان العالم، وتوسع الطبقة الوسطى. وتتوقع «أوبك» أيضاً أن تؤدي الدول الناشئة الرئيسة في العالم الثالث (الصين والهند والبرازيل وكوريا الجنوبية) دوراً مهماً في استهلاك الطاقة، كما أن الاتجاه لتوسع الأسواق الآسيوية سيجعل منها ركيزة لسوق النفط العالمية.

تأتي توقعات «أوبك» المتفائلة هذه، على رغم برامج ترشيد الاستهلاك التي تقلص من نمو استهلاك النفط وفي ضوء توافر إمدادات كافية لتلبية الطلب المستقبلي، وعلى رغم عدم توافر مؤشرات مؤكدة ووافية لنمو الاقتصاد العالمي وما يمكن أن يتخلله من هزات وأزمات، ناهيك عن تباين المعلومات حول نمو الإنتاج النفطي من الدول غير الأعضاء في المنظمة. وتشير معلومات «أوبك» لـ 2010 - 2040 إلى توافر إمدادات للطاقة بنحو 256.4 مليون برميل من النفط المكافئ يومياً عام 2010 لترتفع إلى 410.2 مليون عام 2040. وشكلت حصة النفط من مجمل سلة الطاقة نحو 81.8 مليون برميل من النفط المكافئ يومياً في 2010، لترتفع إلى 99.6 مليون بحلول 2040.

هذا يعني أن نمو الطلب على الطاقة سيرتفع نحو 1.6 في المئة سنوياً خلال 2010 - 2040، وسيزداد نمو النفط 0.7 في المئة سنوياً خلال الفترة ذاتها. ويضيف التقرير أن حصة النفط من مجمل الطاقة سيشكل نحو 31.9 في المئة في 2010 ونحو 24.3 في المئة بحلول 2040، بينما سترتفع حصة الغاز الطبيعي من 21.5 في المئة في 2010 إلى 27.0 في المئة بحلول 2040. وتدل دراسات «أوبك» بخصوص مستقبل النفط إلى أن كلفة الإنتاج الجديد ستستمر في الارتفاع ما سيترك بصمات على أسعار النفط، فقد تضاعفت كلفة إنتاج النفط خلال 2004 - 2008. ولكن الأزمة المالية العالمية أثرت في الأسعار موقتاً فقط. ومنذ 2010 ازدادت مجدداً قيمة الاستثمارات في إنتاج النفط. وتتوقع «أوبك» عودة سلة أسعار نفوطها إلى نحو 110 دولارات للبرميل بحلول نهاية العقد الحالي، وأن تسجل أسعار السلة نحو 177 دولاراً بحلول 2040. وهنا، يجب التنبيه إلى أن هذه فرضيات، وليست مؤشرات للأسعار الممكن تحقيقها فعلاً.

وتشير «أوبك» في تقريرها إلى التغير الذي حصل منذ بدء الأزمة الاقتصادية عام 2008 والهادف إلى إصلاح الأنظمة المالية المتبعة في أصعدة كثيرة، ومنها مجال الطاقة، إذ جرت محاولات جدية وواسعة للحصول على شفافية أكبر، خصوصاً في تسعير موارد الطاقة والأسعار المستقبلية. وجرى هذا من خلال توحيد الأنظمة المتبعة عبر مختلف الأسواق العالمية، وإغلاق الشوائب في الأنظمة. وتطرق التقرير إلى ظاهرة ازدياد إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة، حيث أدى إلى زيادة استخدام الغاز بدلاً من الفحم الحجري في محطات توليد الكهرباء خلال السنوات القليلة الماضية. وبادرت الولايات المتحدة التي تملك أكبر احتياط عالمي من الفحم الحجري، إلى تصديره إلى الأسواق الأوروبية، حيث سعره المنخفض ونسبة ثاني أوكسيد الكربون الضئيلة فيه، جعلاه أكثر تنافسية من الغاز الطبيعي في الاستخدام في محطات توليد الكهرباء. وثمة اهتمام متزايد في الولايات المتحدة باستخدام الغاز في مجالات واسعة، بالإضافة إلى توليد الكهرباء، فهنك خطط لاستخدامه في قطاع المواصلات، ناهيك عن مشاريع عدة لتصديره إلى الأسواق العالمية من خلال تشييد منشآت للغاز المسال، ناهيك عن توسع استخدامه في الصناعات البتروكيماوية.

وترك التسرب النووي في فوكوشيما باليابان آثاره المدمرة، ما انعكس على دور الطاقة النووية في توليد الكهرباء في البلاد، إذ اضطرت الحكومة اليابانية إلى إغلاق مفاعلاتها النووية كلها. وعلى رغم إعادة تشغيل مفاعل أوهي فقط، لا يزال استخدامه محدوداً للغاية. وتراجع الحكومة اليابانية في شكل مستمر إمكانية إعادة تشغيل مفاعلاتها الأخرى. وكانت قررت في آب (أغسطس) 2011، أي بعد حادثة فوكوشيما، تقليص العمل في ثمانية مفاعلات نووية بحلول 2022 ومن ثم إغلاقها في شكل دائم. وبعد حادثة فوكوشيما، أجلت الحكومة الصينية الموافقة على بناء مفاعلات جديدة لإنتاج الكهرباء وشددت على قواعد السلامة في محطاتها الحالية. ولكن الهند تخطط لتشييد محطات نووية جديدة، تشمل بناء ستة مفاعلات، إضافة إلى 21 مفاعلاً قائماً. وفي الدول الأعضاء في «أوبك»، تشيد الإمارات أول مفاعل نووي من أصل ثلاثة مفاعلات تزمع تشييدها لإنتاج الكهرباء. وتعتزم دول «أوبك» أخرى تشييد مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء.

ويتوقع التقرير ازدياد الطلب على الطاقة نتيجة ازدياد عدد السكان، وارتفاع متوسط السن، وزيادة عدد سكان المدن، ما سيترك آثاراً مهمة على استهلاك الطاقة. وتتوقع إحصاءات الأمم المتحدة ازدياد عدد سكان العالم من نحو 7.1 بليون شخص عام 2013 إلى نحو تسعة بلايين بحلول 2040، وتشير إلى أن نحو 90 في المئة من الزيادة ستحصل في الدول النامية. وتدل الإحصاءات على أن عدد سكان الهند سيزيد عن عدد سكان الصين بحلول 2038، ناهيك عن الزيادة السريعة لعدد سكان المدن، والتي ستشمل نحو 60 في المئة من سكان المعمورة. ويتوقَّع أن تؤدي هذه التطورات الديموغرافية إلى ارتفاع مستوى المعيشة وزيادة عدد أفراد الطبقة الوسطى. ولكن على رغم هذا، سيستمر الدخل القومي في أميركا الشمالية عند أعلى مستوى عالمياً، كما سيبقى منخفضاً في أفريقيا وآسيا، باستثناء الصين والهند.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.