مدينة الملك عبدالله الاقتصادية.. محاولة ثانية

إحسان بوحليقة

نشر في: آخر تحديث:

الذي يظن أن تنفيذ المشاريع والمبادرات أمرٌ روتيني في المتناول، لم يُجرب التنفيذ، وهو يماثل مَن يظن أن كسبَ حرب أمر يستطيعه كل قائد؛ فالتفكير والتخطيط شيء، وجعل الفكرة والخطة حقيقة ملموسة شيء آخر، يتطلب خبرة ومهارة وعزيمة وإصرارا. والإصرار هو عنوان عريض يختزن بداخله الاعتداد والثقة بأن عدم تنفيذ الفكرة الواعدة من المحاولة الأولى لا يعني أنها فكرة سيئة بالضرورة، بل الأقرب أن ثمة حاجة لمحاولة أو حتى محاولات متكررة وصولاً للنجاح. وتكرار المحاولة لا يعني تكرار ذات الطريقة والأسلوب، فذاك أسلوب يسمى في علم النفس «عقدة الثبات»، بل يعني عدم اليأس وضرورة شحذ الفكر والصدق مع الذات بالاستفادة من التجارب السابقة والسعي حثيثاً لتحسين الأداء.

في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، وقفت ومجموعة من الزملاء أمام مجسم للمدينة الحلم، بعد أن أعيدت هيكلته وتحديثه ليتواءم مع المستجدات، وبعد طرح الأسئلة تملكني إحساس أننا أمام تحد ولسنا أمام مهمة مستحيلة. فكما ذكرتُ هنا بالأمس، اقتصادنا السعودي بحاجة لهذه المدن لكي ينمو نمواً منوعاً خارجاً عن شرنقة النفط.

لنتوقف قليلاً ونطرح السؤال القديم: لماذا بدأنا ننفذ المدن الاقتصادية بعد حقبة كان يكرر فيها بعض المسئولين أن المملكة كلها منطقة حرة؟! نموذج الأعمال الذي تقوم عليه المدن الاقتصادية هو الانفتاح الاقتصادي القائم على جلب القيمة من مال وتقنية وخبراء وأسواق تصدير، فإذا كان هناك إصرار على الاقتصار على جلب «كونتينارات» تعبر من ميناء المدينة الاقتصادية، فستكون حصيلتنا محدودة بالفعل. فضلاً عن أنه يمكن الجدل انتفاء ما يبرر عدم فتح الأبواب والنوافذ أمام المستثمرين الأجانب للاستفادة من مقدرات المدينة الاقتصادية، وبالقطع فنحن متفقون أن الشرط هو عدم تجاوز قيمنا فهي الخط الأحمر. فإذا أخذنا هذا في الاعتبار نجد أن الشرط المسبق الأساس لنجاح المدينة هو قدرتها على استقطاب المستثمرين من دول الجوار وما يليها اتكاءً على المزايا النسبية المتعددة التي يمتلكها الاقتصاد السعودي ككل وتمتلكها المدينة الاقتصادية على وجه الخصوص، لكن لابد لنا من وضع بوصلة على الطاولة أولاً لمعرفة الاتجاه الحالي والوجهة التي نريد أن نبحر بالمدينة إليها: هل نريد الاحلال محل الواردات؟ أم ترويج الصادرات؟ أم تقديم خدمات تعليمية وتدريبية وسياحية ولوجستية؟ أم كل ذلك وأكثر؟ فلكل نشاط نموذج عمل يولد تدفقات نقدية بسمات نمطية، ويتطلب سياسات وخطط ترويج واستقطاب. كما أننا إن عرفنا الاتجاه والجهة، فسيصبح ممكناً استهداف شركات أجنبية بعينها، ومستثمرين في بلدانٍ محددة باعتبار أن الشركات المستهدفة هي التي ستمكن المدينة من توليد القيمة المضافة المستهدفة، وأن المستمرين سيجلبون المال والأسواق.

لعلنا بحاجة أن نأخذ خطوة للخلف ونتأمل في مبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي، وكيف أن تطلعاتنا كانت نحو الخارج لتعزيز أمننا الغذائي، وبالمقابل فإن المدن الاقتصادية ليست سوى وسيلة لتحقيق الأمن الاقتصادي الأعرض القائم على تنويع مصادر توليد القيمة المضافة للاقتصاد ككل، وهذا لن يأتي بسهولة والسبب هو المنافسة الشرسة بين دول المنطقة لاستقطاب المستثمرين الأجانب من شركات وأصحاب رؤوس أموال، فإن أردنا أن نكون الأعلى تنافسية فلا مناص –بطبيعة الحال- من أن نقدم أفضل عرض، فمخاطرتنا محدودة ما دام أن الأصول ستحتضنها أرضنا وتغطيها سماؤنا.

* نقلا عن صحيفة " اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.