استبعاد بقاء أسعار النفط منخفضة مدة طويلة

صالح السلطان

نشر في: آخر تحديث:

هل انخفاض أسعار النفط بنسبة تزيد على 40 في المائة خلال الشهور الأخيرة مؤقت؟ أي أنه لأمد قصير لشهور أو نحو سنة إلى سنتين، وبعيد استمراره طويلا لسنين عديدة. سؤال يطرح بقوة، وزاد في قوة طرحه تصريح المهندس علي النعيمي وزير البترول السعودي قبل أيام: إن انخفاض أسعار النفط مؤقت، وهو تصريح تناقلته الألسن من كل مكان.

من المتوقع استمرار أسعار النفط في عام 2015، ضمن المستويات السعرية الحالية، أي من المستبعد أن تشهد موجة ارتفاع أو انخفاض كبيرة أخرى في العام القادم. ذلك لأن العوامل التي تسببت في انخفاض أسعار النفط خلال الثلث الأخير من العام الجاري 2014، ليست وقتية لأسابيع أو أشهر قليلة، بل من المتوقع بقاؤها بالحدة نفسها طيلة العام القادم، ولكن من المستبعد بقاؤها مدة طويلة.

انخفاض أسعار النفط يجلب تأثيرات كثيرة كخفض الاستثمارات في قطاع النفط، وحمل بعض المنتجين على الخروج من السوق، أو تخفيض إنتاجهم، والسبب عادة تدني العائد كثيرا أو ما هو أسوأ: البيع بخسارة. ومن التأثيرات زيادة الطلب على النفط، مثلا زيادة الاستهلاك، وزيادة الإنفاق على السلع الأخرى. ولكن ظهور هذه التأثيرات وتأثيرها في الأسعار الحالية يتطلب وقتا لا يقل عن سنة. وهذا الظهور وما يلحقه من تأثير في الأسعار يأتي متدرجا مع الوقت. من البعيد أن يكون التأثير قويا على المدى المتوسط، نظرا لعوامل معاكسة. الغرب عمل ويعمل على تطوير تقني لخفض تكلفة إنتاج البرميل من النفط الصخري، أو تكلفة إنتاج مصادر طاقة بديلة. من جانب آخر، المتوقع انخفاض نسبي في تكاليف إنتاج قدر كبير من السلع والخدمات، مع انخفاض أسعار النفط.

بعبارة أخرى، يتحرك الاقتصاد العالمي حاليا للتكيف مع أسعار النفط الحالية، وليس من السهل زحزحة هذا التكيف بسرعة. إلا أن هذا التكيف يجر بنفسه إلى ارتفاع الأسعار لاحقا. أو ما يسمى بالدورة السعرية (كثيرا ما تسمى دورة إدجورث السعرية). وهذه الدورة تكثر في سلع يكثر في إنتاجها التنافس، وتتفاوت كثيرا هوامش ربحها بين المنتجين، وتلك الصفات أصبحت موجودة في النفط أكثر فأكثر مع مرور الأيام والسنين.

أسعار أعلى تحفز على زيادة استثمار، وزيادة الاستثمار تؤدي إلى زيادة الإنتاج، وزيادة الإنتاج تؤدي إلى خفض الأسعار. وانخفاض الأسعار يؤدي إلى زيادة الطلب أي طلب مزيد من السلعة، وهي هنا منتجات النفط، ولكنه في الوقت نفسه، يؤدي إلى خفض هامش الربح، وتقليل الاستثمار، وهذان يؤديان إلى خفض العرض، ومن ثم يدفعان الأسعار إلى أعلى وهكذا. وبالطبع، تتطلب هذه الدورة وقتا للتكيف.

انخفاض أو ما يشبه انهيار أسعار النفط جلب نفعا لقوم وضررا على آخرين، والصافي على الاقتصاد العالمي النفع. على سبيل المثال، تعاني منطقة اليورو الانكماش أو نحوه. معدلات الفائدة كما نعرف منخفضة قريبة من الصفر. انخفاض الأسعار يعني أو يتضمن رفع سعر الفائدة الحقيقي. وانخفاض أسعار النفط يؤدي إلى خفض تكلفة إنتاج سلع كثيرة، مما يعني خفض معدلات التضخم، والإسهام في تعزيز النمو الاقتصادي.

السؤال التالي: هل ترجع الأسعار إلى أعلى مستوياتها السابقة التي شهدناها خلال النصف الأول من العام الجاري 2014، أي أكثر من 100 دولار للبرميل خلال سنوات قليلة؟

المتوقع خلال سنوات قليلة ارتفاع الأسعار، لكنني أستبعد في نهايتها أن ترتفع إلى ذروة المستويات السابقة، بل المتوقع أن تكون دونها، لأن التأثير المعاكس لانخفاض الأسعار له حدود في رفع الأسعار. يكفي ارتفاعها لتصل إلى نحو 80 دولارا للبرميل، مما يعيد الحياة إلى مشاريع كثيرة في طريقها للتوقف.

ما سبق مبني على بقاء السياسة البترولية السعودية والخليجية كما هي: المحافظة على الحصة السوقية. يرى صناع القرار أن تجربة عقد الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي علمتهم أن خفض الإنتاج للمحافظة على الأسعار سياسة فاشلة، ولكن هل هذه الحصة هي الأنسب لنا على المدى البعيد؟ سؤال جوهري.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.