الصين.. ارتباك في منتصف الطريق

فهد إبراهيم الشثري

نشر في: آخر تحديث:

سبق أن أشرت في مقال نشر في شهر نوفمبر الماضي بعنوان (الاقتصاد الصيني يتغير) إلى أن التحول في الاقتصاد الصيني ستكون له تبعات ليس على الصين فقط، ولكن على اقتصادات العالم المختلفة، بما فيها دول مجلس التعاون. ولذلك، أكدت على أن الصين لا بد أن تكون في المستقبل القريب جزءا من كل استراتيجية اقتصادية ناجحة لكل الدول بما فيها دول مجلس التعاون خصوصا المملكة. الأحداث الاقتصادية بداية العام الحالي كلها كانت مرتبطة بالصين، حيث تراجع سوق الأسهم في الصين بنسبة 7 في المائة ما أدى إلى إيقاف التداول مرتين، وذلك نتيجة ظهور بيانات حول الصناعة أدت إلى تشاؤم كبير بشأن وضع الاقتصاد الصيني. هذا أدى إلى آثار لم تكن متوقعة من حجم التأثير، حيث تراجع مؤشر ستاندارد آند بورز للأسهم بأكثر من 7 في المائة منذ بداية العام، وأدى ذلك إلى تراجعات مشابهة في جميع أسواق العالم تقريبا. النفط تأثر هو الآخر بذلك، حيث استمر في الانخفاض نتيجة المخاوف بشأن النمو في الصين إضافة إلى عوامل أخرى من ضمنها توقعات زيادة المعروض من النفط الإيراني، ليتداول بأقل من 30 دولارا للبرميل لأول مرة منذ 11 عاما تقريبا.

لكن لماذا أصاب الأسواق المالية الذعر نتيجة ظهور بوادر على تراجع الاقتصاد في حين أن ذلك كان متوقعاً منذ فترة نتيجة تبني الصين عملية تحول اقتصادي لمسار نمو مستدام؟ السبب ليس فقط في البيانات الاقتصادية الظاهرة ولكن في الافتراض في السابق أن الحكومة الصينية دائما تستطيع مواجهة الأزمة بتحفيز الاقتصاد من خلال توجيه القنوات المختلفة للتمويل والاستثمار. لكن هذا الوضع تغير أخيرا صحيح وبالتحديد بعد الجهد الكبير الذي بذلته الحكومة الصينية للانضمام إلى سلة عملة صندوق النقد الدولي المعروفة بحقوق السحب الخاصة. الانضام يتطلب أن تكون العملة الصينية قابلة للتداول ومن ثم فرض ذلك على الصين تبني إصلاحات اقتصادية كبيرة لزيادة مرونة سعر الصرف وزيادة انفتاح أسواق رأس المال التي كانت تلعب عاملاً كبيراً في تعزيز دور الحكومة في تحفيز وتوجيه الاقتصاد. ومن هذه الإصلاحات على سبيل المثال توحيد سعر صرف اليوان داخل الصين وخارجها لكي لا يؤدي ذلك إلى وجود سعر صرف مزدوج. وبسبب عدم اكتمال إجراءات تحرير الاقتصاد، فإن الأزمة الحالية وضعت الحكومة في وضع صعب بين تحكم الدولة في الاقتصاد وبين قوى السوق التي لم تكتمل عناصرها بعد في الاقتصاد الصيني. لذلك، فإن المحللين ينظرون إلى أن الأزمة ليست أزمة فقط في تراجع نمو الاقتصاد الصيني ولكنها أزمة ضعف قدرة الحكومة الصينية إلى إدارة اقتصاد حر بطريقة شفافة وطريقة أكثر ديناميكية.

فالحكومة الصينية التي قدمت نفسها على أنها ترغب في مكافحة الفساد وتعزيز كفاءة الاقتصاد والانتقال إلى اقتصاد حر للتكيف مع متطلبات المرحلة القادمة تواجه هذه الأزمة في ظل خيارات محدودة، فإما أن تخفض سعر العملة ما سيؤدي إلى تصدير المشكلة إلى الدول الأخرى، ويؤدي إلى خلق مشاكل لها في المجتمع الدولي ويمكن إتهامها بأنها تسعى إلى إيجاد حرب عملات، أو العودة إلى تقييد تدفقات رأس المال ما سيؤدي إلى مخالفة ما تم الاتفاق عليه في إطار صندوق النقد الدولي لضم اليوان إلى سلة عملات حقوق السحب الخاصة. لذلك، فإن مزيجا من ضعف الاقتصاد، ونظام صرف شبه ثابت، وقيودا أقل على تدفقات رأس المال أدت إلى التذبذب الذي نشهده حاليا. فتراجع سعر الصرف أدى إلى خروج رؤوس أموال تقدر قيمتها بنحو تريليون دولار خلال الأشهر الستة الأخيرة من عام 2015. كما أن الفجوة في سعر صرف اليوان في الداخل والخارج زادت من التوقعات بتخفيض سعر العملة، ما أدى إلى هروب مزيد من رؤوس الأموال. أضف إلى ذلك ارتفاع ديون الشركات التي بلغت 10 تريليونات دولار منها تريليون مقترضة بالدولار الأمريكي، ما يعني أن تخفيض سعر الصرف سيؤدي إلى مزيد من إفلاسات الشركات.

الذي لم يكن متوقعا هو حجم تداعيات الاقتصاد الصيني على الاقتصاد العالمي، خصوصا الاقتصادات الآسيوية، حيث إن هناك قلقا من انتقال تأثير ضعف الاقتصاد الصيني أو حدوث أزمة من خلال قنوات التجارة وسعر الصرف، حيث سيؤدي ذلك إلى ضعف الطلب على السلع، والمعادن، ومعدات الآلات. كوريا واليابان ستتأثران بشكل كبير بسبب ارتباطهما من خلال روابط التوريد supply chains، بينما ستتأثر ألمانيا – وبالتالي أوروبا إجمالا - من خلال تراجع صادراتها للصين من السلع الرأسمالية. كذلك ستؤثر الصين في عدد كبير من الدول النامية والاقتصادات الصاعدة من خلال قنوات النفط والسلع، حيث يعد تراجع النمو في الاقتصاد الصيني أحد المسببات الرئيسة لتراجع أسعار النفط الأخيرة، وهذا يؤدي بدوره إلى التأثير في الاستثمارات في قطاع النفط. كذلك سيؤثر تراجع الصين في معدلات التضخم العالمي وتراجع الثقة، مما سيؤدي إلى تراجع استعداد الشركات للاستثمار أو زيادة التوجه للتقشف ومن ثم تراجع الاستهلاك من قبل القطاع العائلي.

الخلاصة من هذه الأحداث أنه في حين أن المحللين الاقتصاديين أدركوا أهمية الاقتصاد الصيني وتأثيره في الاقتصاد العالمي، إلا أنهم في الإجمال لم يتوقعوا حجم التأثير الذي بدا واضحا الأسبوع قبل الماضي. لذلك، فإن عام 2016 سيكون عاما صعبا نوعا ما على الاقتصاد العالمي خصوصا في دول الاقتصادات الناشئة، حيث يشهد كل من روسيا والبرازيل ركودا يصعب الخروج منه في فترة قصيرة، كما أن الاقتصادات الناشئة الأخرى خصوصا في آسيا فوجئت كما أشرت بمدى انكشافها الكبير على الصين، ما يعني أن تراجع النمو في الصين سيظل يلقي بظلاله على الأداء الاقتصادي لهذه الدول، إضافة إلى التأثير في تراجع أسعار السلع والنفط وبالتالي تأثر الدول المصدرة للسلع – التي تكون غالبا من الدول النامية – بهذه التداعيات.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.