خارطة إعادة التوازن للسوق النفطية

محمد الشطي

نشر في: آخر تحديث:

بلغ متوسط نفط خام برنت خلال شهر ديسمبر 2015 عند 38 دولار للبرميل، بينما وصل إلى 31 دولار للبرميل خلال شهر يناير 2016. في مقابل ذلك فقد هبط متوسط سعر النفط الخام الكويتي من 31 دولار للبرميل خلال شهر ديسمبر 2015 ، ليصل إلى 24 دولار للبرميل خلال شهر يناير 2016.

ويتوقع بنك باركليز أن يبلغ متوسط سعر نفط خام الإشارة "برنت" عند 37 دولار للبرميل، وهو يكافئ 30 دولار للبرميل للنفط الكويتي بافتراض استمرار الفروقات ما بين أسعار الكويتي وبرنت على أساس متوسط شهر يناير 2016، عند 7 دولارات للبرميل.

ولا يخفى على أي مراقب أو مهتم بأسواق النفط، أهميه متابعة تحرك أسعار النفط للاقتصاد العالمي على العموم وللاقتصادات الأحادية على وجه الخصوص، وفي نهاية المطاف يبقى المهم هو أن استقرار أسعار النفط الخام هو شرط حيوي لمصلحه الجميع منتجين ومستهلكين، والأمر الأخر هو بقاء الأسعار ضمن نطاق مقبول يشجع الاستثمار في قطاع الاستكشاف والإنتاج بصوره تضمن أمن الإمدادات في السوق من دون تأثر أو انقطاع.

حالياً هناك تطورين يؤثران على سوق النفط في المستقبل ايجاباً وهما: (1) عدم وجود طاقه فائضه في سوق النفط والتي كانت أوبك تمتلك غالبها مع استمرار المنتجين الإنتاج عند مستويات عالية علاوة على تأثر انتاج بعض الدول مثل ليبيا بالحالة السياسية هناك (2) خفض في الانفاق الاستثماري في قطاع الاستكشاف والإنتاج بنسبه تفوق 20% لسنتين متتاليتين وهو ما يعني إمكانية تأثر توفر نفط جديد يحتاجه السوق خصوصا مع استمرار تنامي الطلب عند مستويات معتدلة ، وفي ضوء استمرار معدلات الاستنزاف الطبيعي للحقول في العالم عند نسبه تدور حول 4% على الأقل وفي المتوسط ، وحسب تقديرات البيت الاستشاري وودماك فإن حجم الخفض في الانفاق الاستثماري قد بلغ 380 مليار دولار.

لا يخلو السوق من تطورات تُلقي بظلالها على مسار السوق حالياً وهي (1) اختلال ميزان الطلب والعرض على النفط والذي يقدر حالياً حسب تقديرات سكرتارية الأوبك لشهر يناير للربع الأول من عام 2016 عند 1 مليون برميل يومياً بافتراض اجمالي انتاج الأوبك باستثناء اندونيسيا عند 31.5 مليون برميل يومياً، (2) ارتفاع المخزون العالمي عن متوسط المستويات خلال الخمس سنوات الماضية بـ 500 مليون برميل وهي مستويات قياسيه ، يُعتقد على نطاق واسع ان ستظل تؤثر في سوق النفط إلى نهاية عام 2017 ، (3) متانه الدولار وتحركات البنك الفيدرالي الأميركي في رفع سعر الفائدة، (4) مؤشرات تباطؤ في أداء الاقتصاد العالمي قد تفضي الي ركود اقتصاد شبيه بما كان الأمر عليه في عام 2008 وتظل الأنظار تتابع التطورات والإصلاحات الاقتصادية واعاده الهيكلة في الصين ، (5) قدره ايران على تصريف ما يقارب من 500 الف برميل يومياً من النفط الإيراني في سوق النفط وقدره السوق على استيعاب تلك الكميات الإضافية، (6) السماح ببيع النفط الأميركي خارج الولايات المتحدة وحسب حجم تلك الكميات فان تأثيره إيجابيا على أداء قطاع التكرير في أميركا من حيث بيع نفط خفيف ، واستيراد نفط ثقيل تحتاجه المصافي الأميركية، وسيكون له تأثير سلبي على النفط الروسي يورال ونفط خام الإشارة برنت (7) مستويات انتاج النفط الروسي حيث مازال يسجل مستويات عالية من الإنتاج فقد وصل الي 10.88 مليون برميل يومياً خلال شهر يناير 2016 رغم جهود المنتجين لخفض الإنتاج ، (8) متوسط احتياجات الصين من النفط الخام والتي مازالت تسجل مستويات عالية حيث اجمالي واردات الصين من النفط الخام خلال عام 2015 عند 6.7 مليون برميل يومياً مقابل 6.2 مليون برميل يومياً خلال عام 2014.

ويدور حالياً الحديث عن جهود من أجل التوصل إلى توافق ما بين المنتجين من داخل وخارج الأوبك بقصد الالتزام بخفض في الإنتاج يفضي إلى سحب الفائض واعاده التوازن للسوق، ورغم أهمية هذا التحرك والذي ساعد في دعم أسعار النفط بشكل ملحوظ، ويتابعه السوق بشكل متواصل الا أن نجاح تلك الجهود شرط لاستمرار وتيرة أسعار النفط من مستويات متدنية ، وتذبذب لا يصب في مصلحة المستهلكين والمنتجين على السواء.

وتشير تقديرات الأوبك ان أوضاع السوق النفطية خلال الربع الأول من 2016 هي كما يلي: الطلب العالمي على النفط ينمو بمقدار 1.3 مليون برميل يوميا، الامدادات من خارج الأوبك تنخفض بمقدار 200 الف برميل يومياً وهذا ما يعني ارتفاع الطلب على نفط ليصل إلى 30.5 مليون برميل يوميا مقابل انتاج فعلي للأوبك حسب مصادر السوق الثانوية عند 31.5 مليون برميل يومياً وهو ما يعني فائض بمقدار 1 مليون برميل يومياً.

كما تشير تقديرات الأوبك أن أوضاع السوق النفطية خلال الربع الثاني من 2016 هي كما يلي: الطلب العالمي على النفط ينمو بمقدار 1.3 مليون برميل يوميا، الامدادات من خارج الأوبك تنخفض بمقدار 500 الف برميل يومياً وهذا ما يعني ارتفاع الطلب على نفط ليصل إلى 31.0 مليون برميل يوميا مقابل انتاج فعلي للأوبك حسب مصادر السوق الثانوية عند 31.5 مليون برميل يومياً وهو ما يعني فائض بمقدار 500 ألف برميل يومياً ، في طريق التوازن.

ولعل أهم مؤشر يتابعه المراقبون ويفترضه الهيئات المرتبطة بالتوقعات هي انخفاض فعلي في انتاج النفط من خارج الأوبك خصوصا النفط الصخري خصوصاً خلال النصف الأول من عام 2016، وفي هذا السياق يتوقع بنك باركليز في حدود 400 الف برميل يومياً ، ولكنه يحذر من استمرار نجاح الشركات النفطية في تحسين انتاجيه الابار وخفض التكاليف حيث يفترض خفض التكاليف ب 30% خلال عام 2015 و 20% خلال عام 2016 وهو يفتح آفاق امام تقليل استجابة الإنتاج لمستويات الأسعار المتدنية مما يعني تأخر التوازن وتعافي أسعار النفط.

لقد أصبحت عودة النفط الإيراني للسوق النفطية حقيقه منذ تاريخ 16 يناير 2016 ولعل القيود الوحيدة هي القدرة الفنية على رفع الإنتاج، والقدرة التسويقية على تصريف انتاج النفط الخام وسط سوق تتناقص فيها الحاجه من قبل الزبائن للنفط الخام، ولكن يبدو ان عوده النفط الإيراني للسوق النفطية قد تم استيعابها إلى اللأن من السوق حيث تتسم بالتدرج ، وعموماً لن تبدأ الا في شهر مارس 2016 وعندها يبدأ تقييم تأثيرها بشكل أكيد.

كما أن من المحاذير التي قد تزيد من الضغوط على مستويات الأسعار هو حرص إيران على الاستحواذ على حصتها في الأسواق من دون اية اعتبارات للسعر وهو أمر قد يكون مستبعد لأن الاقتصاد الإيراني يعتمد بالدرجة الأولى على النفط، كذلك يجب توقع ان يتم تصريف النفط الإيراني في الأسواق الأوروبية إلى جانب الأسيوية.

وإن أي عوده سريعة للنفط الإيراني لكامل طاقته للسوق من دون أن يقابل ذلك ارتفاع مماثل في معدل الطلب العالمي على النفط سيكون له تأثيرات متواصلة على استقرار الأسواق والاسعار خصوصا مع تشابه نوعيه النفط الإيراني للنفوط الخليجية، وهو في حقيقة الأمر تحدي كبير أمام التوافق حول سحب الفائض من السوق ما بين مختلف المنتجين.

إن صمام أمان السوق النفطية يتمثل في عدم رغبة المنتجين والمستهلكين على السواء في انهيار الأسعار خصوصا وأن مستهلكين كبار مثل أمريكا والصين هم أيضا منتجين للنفط، كما ان سيؤثر على الاستثمار وأداء الاقتصاد العالمي، وستبقى السوق تراقب عوده إيران، وارتفاع المخزون النفطي، وإنتاج الأوبك، والاقتصاد العالمي، وأداء الدولار.

* محمد الشطي، محلل نفطي كويتي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.