أذونات الخزانة سيّدة أدوات السياسات الاقتصادية

أنور أبو العلا

نشر في: آخر تحديث:

لا توجد دولة متقدمة في العالم، ولا حتى السواد الأعظم – إذا لم يكن جميع – الدول النامية التي يوجد لديها ميزانية عامة للدولة ولا تصدر أيضا سندات أو أذونات خزانة يتم تداولها في أسواقها المالية من قبل جميع من لديهم فضلة من المال ويرغبون استثمارها بالطرق المأمونة.

معظم العامة يعتقدون أن الغرض من إصدار هذه السندات ينحصر في رغبة الحكومة سد عجز وتنويع مصادر ايرادات الميزانية لكن الحقيقة هي ان أذونات الخزانة كلما كان اقتصاد الدولة متقدما (اميركا وأوروبا كمثال) كانت هذه الأداة هي الأداة الأولى للتحكم في عرض كمية النقود يوما بيوم.

ميزة الأذونات أنها أداة مشتركة بين السياسة المالية (اختصاص وزارة المالية) والسياسة النقدية (اختصاص البنوك المركزية) فالذي يصدر الأذونات هو وزارة المالية (الجهة المسؤولة عن الميزانية)، والذي يستخدمها كأداة هو البنوك المركزية (الجهة المسؤولة عن اصدار النقود).

عدم وجود هذه الأداة المميزة في بلد ما يعني أن هذا البلد يفتقد المسؤولون فيه عن تنفيذ السياسات الاقتصادية أهم أداة من الأدوات المتاحة لممارسة التحكم في كمية النقود المتداولة في البلد وفقا لاحتياجات الاقتصاد الوطني الى حد أنه سادت نظرية اقتصادية (monetarism) خلال السبعينيات تقول: بأن كمية النقود المناسبة في الاقتصاد هي الحصان الذي يقود عربة اقتصاد الدولة الى تحقيق استقرار الأسعار (السيطرة على نسبة التضخم) وفقا لمعدلات النمو في الاقتصاد المحلي للدولة.

السؤال الذي يحق للرجل االعادي أن يطرحه هو: إذن اذا كان حقا ان اذونات الخزانة تلعب هذا الدور المهم في تنفيذ السياسات الاقتصادية لماذا تأنف وزارة المالية لدينا من إصدار مثل هذه الصكوك؟

الجواب الظاهر هو: خشية أن تلاقي الأذونات (صكوك قصيرة الأجل) عدم الاقبال عليها من الجمهور لدينا لاحتمال انطباق بعض خصائص الربا عليها ولكن الحقيقة هي خشية وزارة المالية من أن يؤثر اصدار صكوك مباشرة للجمهور في خفض الودائع ومن ثمّ خفض أرباح بنوكنا المحليّة.

غني عن الذكر أن نقول إن أذونات الخزانة ليست هي طرازا واحدا أو اثنين أو حتى العشرات بل هي طوع بنان وزارة المالية فبإمكان وزارة المالية بالتشاور مع ساما والاستعانة بهيئة من علماء الشريعة تفصيل صكوك تكتمل فيها جميع متطلبات الشّريعة.

أذونات الخزانة هي عادة لحاملها (لا تحمل اسم مالك معيّن) وليس بالضرورة أن ينتظر حاملها الى وقت السّداد ليحصل على قيمتها الأسمية (عدد الريالات المسجلة في متن السند) بل بامكانه أن يطرحها للتداول في السوق متى شاء وفق سعرها الآني وهو سعر متذبذب صعودا وهبوطا (أي يتفق بهذا المعنى مع الشريعة) وفقا لسعر الخصم (معدل الفائدة على البدائل) وسعر الخصم هو أيضا سعر متقلّب كذلك عادة وفقا – ولكن ليس السبب الوحيد – لسياسة البنك المركزي (لدينا تقوم بدوره ساما).

الخاتمة: من المبرّرات التي يقدمها بعض كتابنا لطرح أسهم أرامكو للتداول في السوق المالية هو انه يؤدي لتنويع ايرادات الميزانية ويثري سوقنا المالية وهو تبرير يدل على بساطة التفكير وكأن طرح أسهم ارامكو لن يكون على حساب خفض (لا تنويع كما يعتقدون) ايرادات الميزانية الى الأبد.

بينما لو كان لديهم حسن التفكير لطالبوا بإصدار أذونات الخزانة فهي الوسيلة المثلى لاصابة العصفورين معا: اولاً تنويع مصادر ايرادات الميزانية مع عدم المساس بمكانة وحصانة بترول حقل الغوّار العظيم، وثانيا في نفس الوقت اثراء وتنويع الأدوات المطروحة في السوق المالية بأداة لا تخلو منها أي سوق مالية حديثة.

والعصفور الثالث الذي يغيب عن ذهن الكثيرين – وهو الأهم – وجود أهم أداة في يد ساما لتنفيذ السياسة النقدية وهي سياسة ما يسمى السوق المفتوح (التعامل مباشرة مع الجمهور) التي لا يخلو منها اقتصاد حديث.

* نقلا عن صحيفة " الرياض "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.