عاجل

البث المباشر

فالح السبيعي

<p>كاتب صحافي</p>

كاتب صحافي

الوضع المائي في المملكة «7» .. الخلاصة

عند مقابلتي لأي شخص وبعد معرفته بأني أعمل في أرامكو السعودية يكون سؤاله الأول هو: متى سينضب النفط في المملكة العربية السعودية؟ حتى بعد أن أعرف بنفسي كرجل ماء في شركة نفط يتكرر السؤال ذاته بصيغ مختلفة. وعلى الرغم من عدم معرفتي بالإجابة إلا أن ما يقلقني هو أن أحدا لم يسألني قط : متى سينضب الماء في المملكة العربية السعودية؟ هذا في رأيي هو السؤال الأهم والأخطر. النفط مصدر من المصادر الطبيعية المهمة كالماء، لكن بخلاف الماء، فالنفط يمكن تعويضه ببدائل أخرى. كثير من الدول لا تمتلك النفط وتنعم باقتصاد قوي، بل هناك دول نضب فيها النفط ولم يتأثر اقتصادها سلبا بل على العكس تحسن. ولمن يريد الاستزادة فعليه البحث في جوجل عن " المرض الهولندي" أو شراء تذكرة لرؤية دبي. الماء في المقابل لا يمكن تعويضه بأي بدائل ولا يمكن العيش من دونه.. عند نضوب الماء في أي مكان يكون المصير الموت المحتوم.

تعرفنا في المقالات السابقة من هذه السلسلة على مصادر المياه في المملكة العربية السعودية وهي على الترتيب: المياه الجوفية غير المتجددة أي العميقة، المياه الجوفية المتجددة، المياه السطحية، مياه البحر المحلاة، وأخيرا مياه الصرف المعالجة. ورأينا التقديرات التي تشير إلى أن 65 في المائة من المياه تأتي من مصادر غير متجددة أي أنها ستنضب في يوم ما في حين لا تمثل المصادر المتجددة سوى 35 في المائة. ورأينا أيضا أن المياه في المملكة تذهب للاستخدامات التالية على الترتيب: المجال الزراعي، ثم السكني وأخيرا الصناعي. ورأينا كذلك كيف أن المجال الزراعي يستهلك 88 في المائة من مجمل المياه في هذا البلد الصحراوي شحيح المياه، الاستهلاك السكني يمثل 10 في المائة في حين تذهب الـ 2 في المائة الباقية لتغطية الطلب الصناعي.

هذه الأرقام تشير بوضوح إلى خطورة الوضع المائي الحالي – والمستقبلي- في المملكة العربية السعودية ما لم يتم اتخاذ (وتنفيذ) قرارات حازمة للحد من الهدر المائي الجائر ووضع خطة متكاملة للحفاظ على الموارد المائية بطرق مستدامة. فيما يلي بعض المقترحات والحلول التي طرحها مختصون سعوديون وأجانب ذوو باع طويل وخبرة كبيرة، أرددها هنا لعلها تجد آذانا صاغية.

بالنسبة للمصادر المائية، ينبغي:

- عمل دراسات هيدروجيولوجية دورية شاملة لتحديد كميات ونوعيات مصادر المياه في المملكة خاصة الموجودة على أعماق أقل من 300 متر. الدراسات المتوافرة حاليا قديمة وغير شاملة لجميع مناطق المملكة.

- تقليل الاعتماد الهائل (65 في المائة) على المياه الجوفية غير المتجددة وهي المياه الجوفية العميقة. هذه المياه يجب أن تكون مخزونا استراتيجيا للأجيال القادمة.

- زيادة الاعتماد على المياه السطحية والجوفية المتجددة وذلك بزيادة نسبة الاستفادة من مياه الأمطار كما رأينا في مثال سنغافورة سابقا التي تستفيد حاليا من مياه الأمطار في أكثر من ثلثي مساحتها.

- إنشاء شبكة تغطي المملكة العربية السعودية لتجميع ومعالجة مياه الصرف الصحي. هذا المصدر مهدر حاليا في أغلب المدن السعودية. تجميع وإعادة استخدام مياه الصرف (السكني والصناعي والزراعي) أحد أهم الحلول المستدامة لتوفير مياه صناعية وزراعية في المقام الأول.

- تقليل التكلفة الحالية المرتفعة لتحلية مياه البحر وذلك بتشجيع جانب الأبحاث والتطوير خاصة في مجالات توليد الطاقة وهو ما بدأ العمل به في مشروع محطة الخفجي باستخدام الطاقة الشمسية.

وبالنسبة للاستخدام:

- الحد من الاستهلاك الزراعي الجائر للمياه. يجب وضع خريطة زراعية متكاملة للمملكة تبين ما يمكن زراعته – وأين ومتى – وما لا يمكن زراعته. العامل الأساسي في اختيار المنتج الزراعي يجب أن يكون الماء ولهذا فيجب أن يعطى الماء قيمة اقتصادية محددة في كل منطقة. ليس من الذكاء في شيء أن نستهلك كثيرا من الماء الغالي جدا لزراعة الخيار والباذنجان والبرسيم ثم نبيعه بأبخس الأثمان.

- الامتناع عن زراعة المنتجات الشرهة للمياه كالأعلاف وتشجيع الاستثمار الزراعي في الخارج ورفع كفاءة الري في الداخل (تشير بعض الدراسات إلى أننا نحتاج فقط إلى 6.8 مليار متر مكعب زراعيا في حين نستخدم 20.1 مليار متر مكعب!).

- المراقبة الجادة لكميات السحب المسموح بها في الآبار الزراعية والحد من التصريح للآبار الزراعية والاستثمارات الزراعية. في نهاية القرن الماضي وخلال 15 سنة فقط تضاعف عدد الآبار ثلاث مرات.

- التقليل من الاستهلاك السكني العالي للفرد السعودي وذلك بالتوعية أولا، ثم رفع التعرفة ثانيا.

– وهذا ما تم فعليا. فليس من المعقول أن يكون استهلاك الفرد السعودي أعلى بكثير من استهلاك الفرد الألماني أو الهولندي الذي يعيش في دول غنية مائيا. وكأني بالألمان والهولنديين يطبقون حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - (لا تسرف ولو كنت على نهر جار) في حين يسرف السعودي وهو في وسط المفازة القفر.

- الحد من نسبة التسربات في شبكات المياه التي (تقدرها) بعض الدراسات بالخمس!

- تشجيع المصانع والمنشآت التجارية على استخدام مياه الصرف المعالجة في عملياتها التشغيلية كالتبريد والإنشاءات وغيرها.

ختاما: أكرر أنه على الرغم من صعوبة الوضع المائي الحالي وكثرة التحديات والعقبات، إلا أن الحلول موجودة وممكنة متى ما توافرت الرغبة الحقيقية والإرادة الصادقة. بالإمكان تحويل هذا الوضع الصعب إلى قصة نجاح تروى.

في المقالات القادمة سوف نتطرق إلى قصص نجاح دول ومدن عانت مشكلات مائية صعبة وأوضاعا مشابهة إلا أنها تمكنت من التغلب عليها وتحسين وضعها المائي بحلول جذرية ومستدامة. أكرر المثل الإنجليزي القائل: أشد ما تكون ظلمة الليل قبل انبلاج الفجر.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة