ليس كل طباعة للنقود أمرا سيئا

محمد إبراهيم السقا

نشر في: آخر تحديث:

بعد إيقاف العمل بنظام الذهب الذي كان يقيد قدرة البنوك المركزية على طبع النقود دون أن تحتفظ بمخزون يعادلها من الذهب، أصحبت البنوك المركزية في العالم تمتلك سلاحا فعالا يمنحها قدرة هائلة على طبع كميات غير محدودة من النقود، والتي يطلق عليها حاليا النقود الورقية، أو النقود القانونية، أي التي تنبع قوة إبرائها للذمة من القانون الذي يفرض استخدامها دون غيرها داخل حدود الدولة.

من المفترض من الناحية النظرية أن يقوم البنك المركزي بطبع كميات من النقود تتوافق مع النمو في حجم المعاملات التي تتم في الاقتصاد المحلي، بحيث يحدث البنك المركزي التوازن المناسب بين النمو في عرض النقود والنمو في حجم المبادلات في الاقتصاد. متطلبات هذا التوازن تفرض طباعة النقود باعتبارها أمرا ضروريا لضمان عدم تأثر مستويات النشاط الاقتصادي وحدوث ضغوط انكماشية نتيجة نقص العرض في السيولة عن احتياجات المبادلات.

المشكلة الأساسية تنشأ عندما يفرط البنك المركزي في إصدار النقود دون أن تكون هناك حاجة حقيقية في الاقتصاد لها. في هذه الحالة يعتبر طبع النقود بمثابة ضريبة يفرضها البنك المركزي على حملة النقود المحلية، لأنه بعد إصدار النقود تنخفض القوة الشرائية لها بفعل ارتفاع الأسعار، ولذلك يطلق على إصدار النقود الذي يتجاوز حاجة المعاملات بالضريبة التضخمية. أو ما يمكن أن نصوره على أنه اقتراض للبنك المركزي أو الحكومة نسبة معينة من حملة النقود دون ما حاجة لإعادة سداد هذا القرض، وهو ما يمثل قصا من رصيد النقود المتاح بين أيدي الأفراد.

ولكن هل كل إصدار نقدي يعد شرا على المجتمع ويمثل ضريبة يدفع ثمنها كل من يحمل العملة. الإجابة بالطبع هي لا. فالقدرة المكتسبة للبنوك المركزية على إصدار النقود بعد انتهاء نظام الذهب أو أسعار الصرف الثابتة، أصبحت تمكن البنوك المركزية من استخدام السياسة النقدية على نحو أفضل للتعامل مع الأزمات الاقتصادية التي يمكن أن يتعرض لها النشاط الاقتصادي في الدولة بصورة أكثر كفاءة عما سبق. على سبيل المثال فإن الدراسات التي أجريت على الركود الاقتصادي الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي توصلت إلى أن أحد الأسباب التي أدت إلى إطالة أمد الأزمة هو أن عرض النقود لم يتزايد في تلك الفترة، الأمر الذي أدى إلى تراجع مستويات الإنفاق، ولقد كان أحد أهم الدروس التي تمخضت عن هذه التجربة وكذلك تجربة الركود الطويل الأجل في اليابان هو أن البنك المركزي يمكنه أن يعقد الأوضاع على الأرض عندما لا يلجأ إلى هذا السلاح لمعالجة تراجع النشاط الاقتصادي.

لقد درس بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق حالة اليابان المعروفة بالعقد الضائع Lost Decade، الذي أصبح كما هو واضح عقدين، حيث تحولت اليابان بعد أزمتها في أوائل التسعينيات من أكثر اقتصادات العالم ديناميكية، إلى واحد من أكثر الاقتصادات الصناعية خمولا. وفي ورقة له عن السياسة النقدية اليابانية أشار برنانكي إلى أن الأزمة التي عاشها الاقتصاد الياباني ترتبط أساسا بفشل البنك المركزي الياباني في إصدار المزيد من النقود، وفي محاضرة أخرى له في الاحتياطي الفيدرالي عن السياسة النقدية لليابان انتقد بن برنانكي اليابانيين بشدة متهما إياهم بالشلل، وعدم القدرة على التحرك لمواجهة المشكلات التي تعانيها اليابان من خلال زيادة عرض النقود للمساعدة على تشجيع مستويات الإنفاق والطلب الكلي.

من المفارقات التي قرأتها فيما بعد لبرنانكي في كتابه الأخير بعنوان "شجاعة التصرف" أنه كان يتمنى أن يعود به الزمن لكيلا يقول ما قاله عن البنك المركزي الياباني، لأنه لم يدرك حجم الضغوط التي يتعرض لها مديرو البنوك المركزية إلا عندما أصبح رئيسا للاحتياطي الفيدرالي في وقت عصفت فيه الأزمة بالاقتصاد الأمريكي.

مساوئ إصدار النقود تعود إذن إلى سلوك البنك المركزي ذاته ومدى حرصه على تسيير السياسة النقدية على النحو الذي يضبط النشاط الاقتصادي نحو التوازن. أما ما يطول النقود القانونية من انتقادات فيعود إلى سلوك بعض البنوك المركزية التي تفرط في عرض النقود على النحو الذي يضر بالمستوى العام للأسعار ومعدلات التضخم. هنا تظهر بصورة واضحة عيوب النقود القانونية، حيث يؤدي الإفراط في إصدارها إلى تراجع قيمة العملات وتزايد الضغوط التضخمية.

تعتمد قدرات البنك المركزي على إصدار المزيد من النقود دون أي يصاحب ذلك تأثيرات سلبية في طبيعة الاقتصاد الذي يخدمه، على سبيل المثال فإن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الياباني والبنك المركزي الأوروبي يمكنها أن تفرط في عرض النقود دون أن يصاحب ذلك تأثيرات سلبية على معدلات التضخم على النحو المفترض، وقد أفرطت بالفعل هذه البنوك المركزية بالفعل في عرض النقود ومع ذلك فإن التضخم فيها منخفض جدا أو سالب.

عندما قرر الاحتياطي الفيدرالي بدء عمليات الإصدار الضخم للدولار أخذ الحديث يتسارع حول مواجهة الاقتصاد الأمريكي للتضخم الجامح، مثلما حدث في زيمبابوي أو ألمانيا أو المجر. اليوم بعد سنوات من قيام الاحتياطي الفيدرالي بإصدار تريليونات الدولارات في إطار برامج التيسير الكمي، فإن هذه الموجات من الإصدار النقدي الضخم حالت دون دخول الاقتصاد الأمريكي في ركود طويل الأجل مثلما حدث أثناء الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، ولم تنعكس في زيادة الضغوط التضخمية.

السبب يعود إلى أنه في أوقات الأزمات الاقتصادية العنيفة ترتفع درجة عدم التأكد بين المتعاملين، سواء من جانب قطاع الأعمال أو المستهلكين، لذلك غالبا ما يلجأون لاكتناز النقود، وتنشأ في الاقتصاد مصيدة ضخمة للسيولة تحول دون انتقال النقود للأسواق لتمارس دورها التقليدي في رفع الضغوط التضخمية، وهذا ما يحدث حاليا في العالم. فعلى الرغم من الإصدار النقدي الضخم، فإن التضخم ما زال عند مستويات منخفضة أو سالبة، ذلك أن التأثير التضخمي للإصدار النقدي يعتمد أساسا على كمية النقود التي يتم تداولها، وليس رصيد كمية النقود المصدرة، وفي أوقات الأزمات المالية تقل كمية النقود المتداولة ويقل بالتالي التأثير التضخمي المتوقع لها.

*نقلاً عن صحيفة "الإقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.