عاجل

البث المباشر

سعود بن هاشم جليدان

<p>متخصص في الدراسات الاقتصادية</p> <p>&nbsp;</p>

متخصص في الدراسات الاقتصادية

 

تغيرات أسعار تستحق المراجعة

يمنح كثير من دول العالم علاوات تضخم للمتقاعدين، وقد ناقش مجلس الشورى هذه القضية أخيرا. وترتبط علاوة التضخم عادة بمعدلات تضخم أسعار المستهلكين، التي تسمى في المملكة "الرقم القياسي لتكاليف المعيشة". ويدور بعض الجدل حول دقة الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة، ولكنها تحاول قدر المستطاع قياس تغير تكاليف المعيشة أو معدلات التضخم التي تواجهها الأسر في المملكة. ومع احترامي للقائمين عليها، إلا أن التدقيق في تفاصيل الأرقام القياسية يبرز أن هناك بعض الهفوات في قياس تغيرات أسعار بعض السلع والخدمات، التي قد تؤثر في دقتها وتقبلها لدى المختصين والعامة. وما لم يتم ضبط تغيرات الأسعار بشكل أكثر تمثيلا للواقع، فإن ربط مخصصات التقاعد بتغيرات الرقم القياسي لتكاليف المعيشة سيكون منخفض الجدوى.

وقد ناقشت مقالة الأسبوع الماضي تغيرات أسعار الأطعمة خارج المنزل، حيث تغيرت تكاليفها الواردة في الرقم القياسي لتكاليف المعيشة بمعدلات تقل عما يجب ولا تعكس الواقع بشكل دقيق. ولتأكيد ذلك يمكن النظر إلى بعض تغيرات بنود مجموعة الأطعمة خارج المنزل. ومن المفاجآت غير المتوقعة في تغيرات بنود هذه المجموعة، تراجع تكاليف "بند وليمة مع الذبيحة" بنحو 8.8 في المائة في كانون الثاني (يناير) 2016 مقارنة بمتوسط 2007. وأعتقد أن هناك خللا ما في قياس تغيرات تكاليف هذا البند، فالجميع يواجه تضخما كبيرا في تكاليف الولائم مع الذبائح، التي تمثل جزءا لا يستهان به من ميزانية الكثير من الأسر، ويصعب قبول وجود تراجع في تكاليف هذا البند.

من جهة أخرى، تشير الأرقام القياسية لتغيرات أسعار لحم الضأن إلى تغيرات أقل مما هو حاصل فعلا منذ عام 1980، حيث تظهر ارتفاعا في الوقت الحالي مقارنة بعام 1980، وهذا يقل كثيرا عن الحاصل فعليا.

ويوجد عدد آخر من تغيرات الأسعار التي يصعب قبولها على الأمد الطويل، حيث تتراكم أخطاء قياس الأسعار مع مرور الوقت. ومن أبرز تلك الأخطاء تراجع تكاليف شراء سيارة جديدة. وتشير بيانات آخر الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة إلى تراجع سعر السيارة الجديدة 1.3 في المائة في كانون الثاني (يناير) 2016 مقارنة بمتوسط سعرها في 2007، والأدهى من ذلك تشير بيانات الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة إلى تراجع أسعار السيارات 15.5 في المائة مقارنة بمتوسط أسعارها في عام 1999. ولا أظن أن أحدا يتقبل مثل هذه النتيجة مهما كانت المبررات. وتجري مؤسسات قياس الأسعار تعديلات لتغير أسعار السيارات مقابل التحسينات الإضافية على السيارات، ولكن يبدو أن القائمين على الرقم القياسي لتكاليف المعيشة بالغوا كثيرا في إدخال تأثير التحسينات في تغيرات أسعار السيارات. ويشكك الكثير في جدوى خفض زيادة أسعار السيارات مقابل التحسينات التي تشهدها السيارات الجديدة، حيث يرون أن السيارات القديمة أكثر جودة في كثير من النواحي من السيارات الجديدة. من جهة أخرى، يبدو أن الأرقام القياسية لنمو تكاليف "التأمين ضد الغير" منخفضة، حيث ارتفعت تكاليف التأمين ضد الغير بنحو 105.2 في المائة في كانون الثاني (يناير) 2016 مقارنة بمتوسط تكاليف 2007. ويواجه ملاك السيارات تضخما كبيرا في تكاليف التأمين، حيث ازدادت بما لا يقل عن 200 في المائة منذ عام 2007، ولهذا يبدو أن هناك ميلا واضحا لخفض أسعار تكاليف هذه الخدمة.

ويخفض الرقم القياسي لتكاليف المعيشة أيضا من تضخم أسعار "الأدوية بوصفة طبية"، حيث تشير آخر بيانات الهيئة إلى ارتفاع محدود بـ 2.9 في المائة في تكاليفها خلال كانون الثاني (يناير) مقارنة بمتوسط 2007. ولم ترتفع تكاليف الأدوية بوصفة بأكثر من 10 في المائة خلال العقدين الماضيين حسب الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة. ولا يبدو هذا الأمر صحيحا، حيث واجه المرضى ارتفاعا أكثر بكثير من ذلك. وتشير بيانات الدول الأخرى إلى ارتفاعات كبيرة في تكاليف الأدوية بوصفة طبية تصل إلى الضعف خلال العقدين الماضيين.

من جهة أخرى، شهدت أسعار حليب الأطفال زيادات كبيرة خلال السنوات الماضية، ومع هذا لا يظهر الرقم القياسي لتكاليف المعيشة إلا زيادة بنحو 42 في المائة منذ عام 1999. وهذه الزيادة تقلل كثيرا من زيادات أسعار حليب الأطفال، التي في تقديري تضاعفت مرة واحدة على الأقل منذ عام 1999. وتم أخيرا زيادة أسعار المياه بمعدلات كبيرة، ولكن الرقم القياسي لتكاليف المعيشة يورد زيادة تكاليف "شبكة المياه" بـ 50 في المائة، وهذه الزيادة صغيرة مع الحادث والمعلن عنه فعليا، حيث زادت تكاليف المياه بنسب أعلى بكثير من ذلك تصل إلى عدة أضعاف. صحيح أن أسعار المياه كانت منخفضة جدا، ولكن هذا لا يمنع إيراد نسب زيادة الأسعار الحقيقية وخصوصا لمؤسسة محترفة مثل الهيئة العامة للإحصاءات.

لقد تم إيراد بعض تغيرات أسعار البنود التي يبدو بشكل واضح أن تغيراتها الفعلية أكثر مما هو وارد في الرقم القياسي لتكاليف المعيشة، ويمكن وجود عدد آخر من البنود التي يمكن مراجعة تغيرات تكاليفها خلال السنوات الماضية. ويؤثر خفض معدلات نمو الأسعار في هذه البنود في معدلات التضخم، ولهذا يمكن استنتاج أن معدلات التضخم المنشورة خلال السنوات الماضية أقل مما يجب. إن مراجعة تغيرات الأرقام القياسية الواردة في هذه المقالة ستحسن من دقة قياس تغيرات الأسعار، كما ستحسن كثيرا من دقة ومصداقية تغيرات الرقم القياسي لتكاليف المعيشة.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة