قطاع النفط الروسي يترنح أمام تهاوي النفط

نشر في: آخر تحديث:

كشف تقرير اقتصادي نشر الخميس، أن القطاع النفطي الروسي بات يترنح على وقع تهاوي الأسعار في السوق العالمية والعقوبات الغربية، وسوء التخطيط وعدم استغلال "السنوات السمان" لإجراء تغييرات في بنية الشركات. وبدلاً من النظر إليه كـ "ثروة وذخر قومي" بات القطاع النفطي سبباً في أزمة جديدة للاقتصاد الروسي، هي الأعمق والأوسع أثراً منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

ويغرق القطاع النفطي الروسي في حقبة سوداء، وبات المحرك الرئيس للاقتصاد الوطني في فترة حكم الرئيس فلاديمير بوتين بحاجة ماسة إلى الدعم الحكومي لتمكينه من الصمود. واضطرت معظم الشركات النفطية إلى بيع إنتاجها بأقل من سعر الكلفة. كما تُراجع الشركات النفطية الروسية برامجها الاستثمارية لهذه السنة وفي المستقبل.

وأوضح تقرير لجريدة "الحياة" أن أزمة قطاع النفط والغاز الروسي أخذت تتعمق منذ مطلع السنة مع هبوط خام برنت إلى أدنى من 30 دولاراً للبرميل، لكن القطاع يعيش أزمة متواصلة منذ منتصف العام 2014، بدأت مع مسلسل تراجع الأسعار الذي وصل إلى نحو 70%، وعمّقتها العقوبات الغربية التي تسبّبت في نقص القروض الخارجية والمعدات والتقنيات اللازمة، لاستغلال الحقول صعبة الاستخراج في اليابسة والجرف القاري.

وعلى رغم ازدياد الإنتاج بنحو 1.5% العام الماضي، تصبّ كل التوقعات في اتجاه تراجع الإنتاج بدءاً من نهاية هذه السنة أو مطلع العام المقبل. ويُضاف إلى العوامل السابقة، احتمال انخفاض الأسعار إلى مستويات أدنى مع دخول إيران إلى السوق، وتمسك المنتجين الكبار بأسواقهم، والتنافس على أسواق جديدة، فيما سيضغط استمرار العقوبات الغربية على الموارد المالية للشركات الروسية، ويجبرها على خفض الإنتاج على المدى المنظور.

ولا تبدو فرص الشركات الروسية كبيرة في مواصلة التنافس على الأسواق، وربما تفقد بعض أسواقها التقليدية في شرق أوروبا مع دخول السعودية على الخط، واستعداد الولايات المتحدة لتزويد أوروبا شحنات من النفط، بعد رفع الحظر على الصادرات. ولعل الأهم أن الصفقة النووية مع إيران قد تنعكس سلباً على روسيا، مع تكرار طهران على لسان أكثر من مسؤول استعدادها لتزويد القارة العجوز بالنفط والغاز.

ومن المؤكد أن حظوظ القطاع النفطي الروسي في الصمود ضئيلة في حال تواصلت موجة تدني الأسعار، إذ أن القدرة على الثبات تحددها أسعار الإنتاج الرخيصة والنقل من ناحية، ووجود احتياطات مالية جُمعت من حقبة الأسعار المرتفعة. وفي هذا المجال ستكون حظوظ منافسي روسيا في السوق النفطية أكبر، وبالكاد تكفي موارد موسكو لمدة سنة واحدة، فيما يمكن للسعودية أن تصمد لفترة تتراوح بين 5 و7 سنوات.

وبعيداً من التصريحات الرسمية عن كلفة الإنتاج والنقل إلى موانئ التصدير والمقدرة بنحو 17 دولاراً للبرميل، يقدّر خبراء كلفة إنتاج البرميل في روسيا بنحو 29 دولاراً، متضمنة النفقات الرأسمالية والتشغيلية، إضافة إلى النقل والضرائب المفروضة. ومعروف أن النفط الروسي من ماركة "أوراليز" يُباع بحسم يتراوح بين دولارين وثلاثة مقارنة بخام برنت، ما يعني عملياً أن الشركات الروسية تبيع نفطها بأقل من سعر الكلفة. ويجب عدم إهمال عامل آخر، وهو أن هذه الحسابات تنطبق على الحقول المنتجة حالياً، وأن حفر آبار جديدة يزيد الكلفة.

واعتبر نائب رئيس شركة "لوك أويل" الروسية ليونيد فيدون، أن "تراجع الأسعار دون 50 دولاراً، يعني دخول القطاع النفطي الروسي في مرحلة الخسارة والبيع بأسعار تقل عن الكلفة". وأوضح أن "الحديث يدور عن الكلفة مع دعم كميات الإنتاج الحالية بالتنقيب والبحث وحفر آبار جديدة".

وعلى المديين المتوسط والبعيد، سيواجه القطاع النفطي الروسي تحديات كبيرة، إذ كشفت بيانات أن زيادة الإنتاج جاءت على حساب الشركات الصغيرة والمتوسطة العام الماضي، في وقت تراجع فيه إنتاج الشركات الكبيرة، مثل روس نفط ولوك أويل وسورغوت نفتغاز بنحو 1%. ولعل الأهم أن إنتاج النفط في الحقول الرئيسة في غرب سيبيريا انخفض بشكل لافت بنحو 3%. ولم يستبعد خبراء أن يهوي إنتاج النفط في روسيا إلى النصف بحلول عام 2035 أي إلى نحو 279 مليون طن من نحو 534 مليوناً العام الماضي.

وعزت مؤسسات بحثية توقعاتها المتشائمة إلى توقف الشركات عن حفر آبار جديدة بسبب هبوط الأسعار، وعدم اهتمام الشركات الكبيرة ببدء العمل في حقول الجرف القطبي والقاري صعبة الاستخراج، إضافة إلى عدم الاكتراث للعمل في الحقول قليلة الإنتاج أو تلك التي استنفدت مخزونها مع الزمن. ورأى خبراء أن معظم الإنتاج الحالي يأتي من حقول بدأ استغلالها في الحقبة السوفياتية.

وبدأت الشركات الروسية تقليص مخططاتها الاستثمارية خصوصاً في مجالات الاستكشاف والتنقيب واستغلال حقول جديدة. وكشف رئيس شركة "لوك أويل" الروسية وحيد ألكبيروف في لقاءات صحافية، أن شركته "تنوي توظيف استثمارات بنحو 9 مليارات دولار، لكنها ستتراجع إلى 7.5 مليار أو 6 مليارات، في حال تدنّت أسعار النفط إلى 30 أو 20 دولاراً على التوالي".

ورغم إعلان شركة "روس نفط" نيتها رفع برنامجها الاستثماري لهذه السنة والمقدر بنحو الثلث بالعملة الروسية، سيفرض تراجع الروبل ضغوطاً على الشركة ويجعلها عاجزة عن بدء استغلال حقول شرق سيبيريا، المقرر أن تدعم الصادرات إلى الصين وفقاً للاتفاقيات الموقعة مع الشركات الصينية.

وبعدما كانت "روس نفط" تفخر بمساهمتها في استقرار النظام المصرفي الروسي العام الماضي، عبر طرحها نحو 45.5 مليار دولار للبيع، وتزويدها الموازنة الروسية بنحو خُمس وارداتها، باتت الشركة تدافع عن وضعها المالي، وتؤكد أنها قادرة على تسديد ديونها والوفاء بالتزاماتها.

وأعلنت شركات النفط الروسية، امتلاكها نحو 23 مليار دولار من الموارد المالية الحرة الكافية لتغطية كل ديونها والتزاماتها، بعد القلق من عجز "روس نفط" الحكومية عن تغطية نحو 13.7 مليار دولار من ديونها المستحقة هذه السنة، بسبب تهاوي الأسعار وصعوبة الحصول على قروض جديدة أو إعادة هيكلة الديون الخارجية المقدرة بنحو 25 مليار دولار، وفقاً لتقرير "الحياة".