عاجل

البث المباشر

انخفاض أسعار الأراضي يغري أصحاب الدثور

ابتداء أود التأكيد على أن المقال حيادي هدفه علمي فقط.

نتمنى أن تنخفض أسعار العقار عامة والأراضي خاصة انخفاضا كبيرا. لكن الأماني شيء وقراءة الوضع بعيدا عن الأماني شيء آخر. هذه المقدمة للتذكير بأن تفسير الأوضاع والأحداث الاقتصادية، وتوقع مسارها مستقبلا، لا يعني بالضرورة رغبة في وقوع الأحداث كذلك، أي لا يعني بالضرورة أن التفسيرات والتوقعات تعكس الرغبات. لكن بعض الناس يخلطون.

من المهم توضيح نقطة. الأرض، وبخلاف السلع الأخرى، غير متجانسة، ولذا فكل أرض أو مجموعة من الأراضي لها خصائصها التي لا توجد ولا يمكن أن توجد في غيرها، وهي خصائص تنعكس على سعر المتر المربع. ولذا من المهم جدا الاتفاق على أن المقصود بانخفاض أو ارتفاع أسعار الأراضي هو متوسط انخفاض أو ارتفاع أسعار عام يشمل كل أو غالبية الأراضي السكنية والتجارية في مكان جغرافي بعينه كالنطاق العمراني لمدينة الرياض مثلا.

يتوقع كثيرون انهيارا في (المتوسط العام) لأسعار العقارات وخاصة الأراضي في الشهور القادمة استنادا إلى عوامل معروفة أشبعت حديثا ونقاشا، ولا أجد حاجة إلى إعادة تكرار ما يعرفه القراء. وسأفترض لائحة وتطبيقا جيدا بصفة عامة لنظام رسوم الأرضي البيضاء.

ما المشكلة إذا؟ هناك عوامل معاكسة التأثير لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار، وهنا مزيد توضيح.

مقابل العوامل الاقتصادية المعروفة التي عملت وتعمل على خفض متوسط أسعار الأراضي منذ نحو عام ونصف، هناك عوامل اقتصادية ستعمل على الحد من تأثير العوامل المخفضة لمتوسط أسعار الأراضي، ويبقى النقاش في المسار والقوة.

بعض هذه العوامل عام التأثير في الاقتصاد مثل توقع ارتفاع نسبي في أسعار النفط بقية هذا العام والأعوام القليلة القادمة، ومثل توقع نجاح ولو نسبي في برنامج التحول الاقتصادي. وهناك عوامل تأثيرها مركز أكثر على أسعار العقار والأراضي خاصة. من أمثلة هذه العوامل أن التطوير يحتاج إلى وقت طويل لابد من اعتباره. من العوامل محدودية الدعم الإسكاني العيني مقارنة بالتطلعات.

هناك عوامل أخرى لا أجدها تطرح في النقاشات والكتابات، ولذا سأتحدث عنها بصورة أكثر تفصيلا. منها أن انخفاض المتوسط العام لأسعار الأراضي فرصة لكثيرين للاستزادة من متاع الحياة الدنيا. مثلا، انخفاض الأسعار يغري أصحاب الدثور (المال) بتملك أو تغيير استراحاتهم إلى أكبر منها، ويغري بعض من كان يفكر في تملك بيت مساحة أرضه كذا، يغريه بالتفكير في تملك سكن بمساحة أرض أكبر. وقد رأينا مثل هذا السلوك بعد طفرة عهد الملك خالد، ما حد من انخفاض المتوسط العام لأسعار الأراضي عندما انهارت أسعار النفط قبل نحو 30 عاما. كيف؟ ادخر من أغناهم الله خلال طفرة عهد الملك خالد أموالا، وأنفقوا جزءا كبيرا منها لاحقا على عمل استراحات ومزارع في حكم الاستراحات. مثلا، استراحات الأحياء على طريق الدمام واستراحات الأحياء شمال الدائري الشمالي، متى عملت؟

الوضع سيتكرر في الأعوام القادمة بصورة أكبر. لأن ما كدس من أموال خلال الطفرة السابقة بين عامي 2003 و2013 كبير. مثلا، الودائع المصرفية (عرض النقود 3) زادت خلال هذه الفترة أكثر من ثلاث مرات، وما زالت في مستوياتها المرتفعة تقريبا.

انخفضت وستنخفض كثيرا أسعار أراض كثيرة في أطراف الرياض (على سبيل المثال) وسيغري هذا النزول في الأسعار أصحاب الثراء وخاصة الجدد الذين أثروا في طفرة عهد الملك عبد الله على شراء أراض كبيرة لاستخدامها استراحات. فهي استراحة من جهة واستثمار بعيد المدى من جهة أخرى, طبيعة تطبيق رسوم الأراضي ستزيد من إغراء تحويل أراض كبيرة إلى استراحات. متوقع أن الاستراحات لن تعتبر أراضي فضاء، ولذا لن تخضع للرسوم. وقد نص نظام رسوم الأراضي البيضاء على ما يلي "الأراضي البيضاء: كل أرض فضاء مخصصة للاستخدام السكني، أو السكني التجاري؛ داخل حدود النطاق العمراني.

محدودية قنوات الاستثمار وظروفنا الاجتماعية التي حدت من التجمعات الأسرية للترفيه خارج الاستراحات زادت من إقبال المجتمع وخاصة الأغنياء على إنفاق جزء معتبر من أموالهم على العقار الترويحي كالاستراحات. وكثير منها بمساحات كبيرة، الواحدة منها تكفي لبناء عشرات بل وأحيانا مئات الوحدات السكنية.

وقائع في دول أخرى بينت أن تأثير قلة المال خلال السنوات التالية للطفرة أقل مما كان يتوقع ابتداء، أي أن كثيرا من الناس يطبقون نصيحة يوسف عليه السلام لملك مصر.

انتهت أكثر من دراسة عن القطاع الزراعي في أمريكا، إلى أن انخفاض أسعار الحبوب لم يخفض أسعار الأراضي الزراعية تخفيضا كبيرا، مع أن كثيرين كانوا يتوقعون العكس. على سبيل المثال جاء في مقال تحليلي في جريدة وول ستريت الأمريكية الشهيرة عدد 25 أغسطس 2015، www.wsj.com/articles/u-s-farm-income-to-fall-to-lowest-level-in-nine-years-1440521337

إن دخل مزارعي الولايات المتحدة متوقع انخفاضه (بسبب انخفاض أسعار الحبوب وضعف أسواق الحليب) من قرابة 91 مليار دولار عام 2014 إلى 58 مليار دولار عام 2015، أي أكثر من الثلث، وهو أعلى معدل انخفاض منذ 1983. لكن كثيرا من أسعار الأراضي الزراعية لم تنخفض بنسبة ذات اعتبار، بسبب أن مزارعين كثيرين، وخاصة كبارهم، ادخروا مالا كثيرا وقت طفرة السنوات الماضية واتجهوا لإنفاق بعضه وقت الضيق.

الخلاصة، إننا نتمنى أن تنخفض أسعار العقار عامة والأراضي خاصة انخفاضا كبيرا، لكن الأماني شيء وقراءة الوضع بعيدا عن الأماني شيء آخر. مقابل العوامل الاقتصادية المعروفة التي عملت وتعمل على خفض متوسط أسعار الأراضي منذ نحو عام ونصف العام، هناك عوامل اقتصادية معاكسة ستعمل على الحد من تأثير العوامل المخفضة لمتوسط أسعار الأراضي، ويبقى النقاش في قوة العوامل المعاكسة.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة