الانتعاش في أسعار النفط .. وصل إلى حدوده مؤقتا

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:

ارتفعت أسعار النفط بنحو 50 في المائة عن المستويات المتدنية التي كانت عليها في شباط (فبراير)، إلى أكثر من 40 دولارا للبرميل. لكن هذا الانتعاش قد يكون وصل إلى حدوده، على الأقل مؤقتا، حيث إن استمرار وفرة المعروض وتوقعات إمدادات النفط الصخري الجديدة يضعان ضغوطا على أي زيادة محتملة في الأسعار.

لقد تراجع إنتاج النفط في الولايات المتحدة باطراد خلال الربعين الماضيين، حيث انخفض الإنتاج أكثر من نصف مليون برميل في اليوم منذ أن بلغ الذروة عند 9.7 مليون برميل يوميا في شهر نيسان (أبريل) عام 2015. بالفعل لقد استنزفت شركات النفط الأمريكية ميزانياتها، وأرجأت خطط الحفر، لذلك يتوقع عديد من المحللين انخفاض إنتاجها في عام 2016 والعام القادم.

هذه التطورات أثارت شعورا متجددا من التفاؤل بين المتداولين في أسواق النفط. وعلاوة على ذلك، انقطاع الإمدادات في أماكن مثل العراق ونيجيريا قد أطاح على الأقل بنحو 250 ألف برميل في اليوم من إنتاجهما، هذه التوقفات غير المتوقعة وضعت ضغوطا تصاعدية على أسعار النفط في شهر آذار (مارس). كما أن الاضطرابات الجيوسياسية لا تزال لديها القدرة على التأثير في الأسعار، حتى مع الوفرة الكبيرة في المعروض. علاوة على ذلك كثير من التفاؤل يستبق الاجتماع المشترك بين الدول المنتجة من داخل أوبك وخارجها المزمع انعقاده في 17 نيسان (أبريل) في الدوحة، اعتقادا بأن تجميد الإنتاج قد يكون له بالفعل تأثير جوهري في إمدادات النفط العالمية.

لكن في الوقت الذي وجد فيه المتداولون في أسواق النفط بعض الأسباب للاعتقاد بأن أسعار النفط في ارتفاع، إلا أن هناك كثيرا من الأسباب، إن لم يكن أكثر من ذلك، تشير إلى دعم النظرة الهبوطية للأسعار. على سبيل المثال، أرقام المخزون في الولايات المتحدة لا تزال عند مستويات قياسية، حيث وصل إلى 533 مليون برميل للأسبوع المنتهي في 18 آذار (مارس). حتى تبدأ مخزونات النفط في الاستنزاف بشكل كبير، فإن أسعار النفط ستستمر تواجه مقاومة شديدة لكسر الحاجز فوق 40 دولارا للبرميل. وتواصل إيران أيضا رفع الإنتاج، وإن كان بمعدل أبطأ مما كان متوقعا، ناهيك عن حالة الاقتصاد العالمي الضبابية.

في الواقع، يعزى ارتفاع الأسعار فوق 40 دولارا للبرميل إلى حد كبير إلى المضاربة في الأسواق المستقبلية، حيث إن رهانات مراكز البيع وصلت ذروتها وبدأت في التراجع، ما ساعد على رفع الأسعار بنسبة 12 إلى 13 دولارا للبرميل في أقل من شهرين. واستمر هذا الاتجاه في الأسبوع الماضي، حيث زادت صناديق التحوط وغيرها من مديري المال الرئيسين من صافي مراكز الشراء على النفط الخام بصورة كبيرة. في حين أن مراكز البيع الآن في أدنى مستوياتها منذ شهر حزيران (يونيو) الماضي.

ولكن الآن، مع قيام المتداولين باتخاذ أكثر المواقف تصاعدية في أشهر بينما أساسيات الأسواق في المقابل لم تتغير بطريقة كبيرة، أعدوا الظروف لتراجع الأسعار من جديد. بمجرد أن يصبح واضحا أن اجتماع الدوحة لن يقدم خطوات جدية لدعم الأسواق واتخذ المتداولون رهانات تصاعدية إلى مستويات غير مبررة، من الممكن أن تتراجع الأسعار من جديد إلى منتصف ثلاثين دولارا للبرميل أو ما دون ذلك.

لكن ما يحدث ليس مجرد مضاربة في الأسواق، بل الأسواق الفعلية يمكن أن تتغير أيضا مع ارتفاع أسعار النفط إلى المستويات الحالية - عمليات الحفر في تشكيلات النفط الصخري قد تستأنف من جديد عند 40 دولارا للبرميل أو أعلى. على سبيل المثال، أسعار تعادل بعض المناطق في ولاية داكوتا الشمالية تصل إلى 20 – 25 دولارا للبرميل. عمليات حفر آبار النفط الصخري قصيرة الفترة، وحفر بئر يمكن أن يستغرق أسابيع أو أشهرا قليلة ليكتمل، في حين أن المشروع البحري يمكن أن يستغرق عدة سنوات. علاوة على قصر فترة التنفيذ، تمتلك شركات النفط الصخري في الولايات المتحدة أيضا الآلاف من الآبار التي تم حفرها ولكن غير مكتملة. خلال العام الماضي، لم تكن الشركات ترغب في إكمال الآبار وبيع إنتاجها بأسعار منخفضة جدا و/أو أنها كانت تريد الحفاظ على السيولة النقدية على المدى القصير، لذلك قررت أن تؤجل عملية إكمال الآبار.

وهذا يعني أننا قد نتوقع موجة جديدة من الإنتاج، حجمها غير معلوم، يمكن أن تعود إلى الأسواق عندما يثبت أن أسعار النفط مرتفعة بما فيه الكفاية. في هذا الجانب، قدرت وود ماكينزي أن عدد الآبار التي تم حفرها ولكن غير مكتملة قد بدأ بالفعل في الانخفاض، حيث انخفض بنحو الثلث خلال الأشهر الستة الماضية. في تشكيلات حوض العصر البرمي والنسر فورد، هناك أكثر من 600 بئر تنتظر الإكمال، التي يمكن أن تضيف ما بين 100 – 300 ألف برميل في اليوم في حال إكمالها. على كل حال عدد الآبار غير المكتملة يجب أن يبدأ في التراجع خلال هذا العام والعام المقبل، وستعود إلى وضعها الطبيعي قبل نهاية عام 2017.

إذا ما تم إكمال عدد كبير من الآبار مرة واحدة هذا يعني أن إنتاج الولايات المتحدة لن ينخفض بالسرعة المتوقعة. في بعض الأحيان تضطر الشركات إلى إكمال مزيد من الآبار بسرعة لتسديد مستحقاتها المالية. ويتفق كثير من المحللين، إلى حد كبير، على احتمال عودة نمو إنتاج النفط الصخري من جديد. إذا استمرت الأسعار في الارتفاع، قد نجد أنه بسبب خفض التكاليف والتحسينات التكنولوجية أن بعض الإنتاج العالي التكلفة يعود مرة أخرى إلى الأسواق.

في الأسبوع الماضي، ذكرت شركة بيكر هيوز أن عدد منصات الحفر العاملة في تشكيلات النفط عاد فعلا إلى الارتفاع، حيث ارتفع 1 في المائة ليصل إلى 387 منصة. من الواضح أن هذا الارتفاع الطفيف لا يثبت أننا في الاتجاه التصاعدي مرة أخرى، ولكن المؤكد أن الانخفاض الحاد في عدد منصات الحفر العاملة في عام 2016 قد تباطأ، وفي الواقع توقف تماما في شهر آذار (مارس). لكن شركات النفط قد تبدأ في إضافة مزيد من منصات الحفر إذا ما ارتفعت أسعار النفط فوق مستوى أسعار تعادل مختلفة، وهذا ليس خبرا سارا لأسعار النفط.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.