عاجل

البث المباشر

تعريف البطالة في بلادنا ليس له معنى

ليس من السهل إعطاء تعريف جامع مانع للبطالة. إلا أن القاسم المشترك بين التعريفات أن العاطل لا عمل لديه رغم قدرته عليه، وقد بحث بجدية عن عمل خلال عدد محدد من الأيام الماضية.

والتعريف يجر إلى الحديث عن أنواع وأسباب البطالة. أكاديميا، يناقش تعريف وأسباب البطالة في إطار نظريات (اقتصادية) تحاول الفهم والتفسير وطرح سياسات لتخفيف معدلات البطالة إلى أدنى حد ممكن، وليس القضاء عليها كليا، فهذا أقرب إلى أنه غير ممكن. ويلعب النمو الاقتصادي دورا محوريا في معالجة البطالة، بما يرفع من مستوى المعيشة ويولده من وظائف.

كل تعريفات ونظريات البطالة التي تعلمناها في جامعات الغرب وضعت أصلا لتشرح أوضاع اقتصادات تعتمد على توظيف مواطنيها في كل المهن. ولم توضع لتعريف أو شرح بطالة في ظل استيراد يد عاملة. ماذا يعني ذلك؟ تعريفات وأسباب ونظريات البطالة السابقة لا تفيدنا، لأنها لا تمس أساس مشكلتنا منذ عشرات السنين.

شهد الاقتصاد السعودي طفرة وزاد حجمه من نحو 17 مليار ريال قبل 50 عاما إلى نحو 2800 مليار ريال عام 2014، أي أكثر من 150 مرة، مقابل زيادة السكان بنحو ثماني إلى عشر مرات. لكن ذلك لم يسهم في معالجة البطالة، بل لي أن أدعي العكس، أنها زادت. حيث يشكل الآن الإخوة الوافدون بين 80 و90 في المائة من الوظائف غير الحكومية، وكانت النسبة أقل كثيرا قبل نصف قرن، فقد كنا أكثر اعتمادا على أنفسنا. نحن نستقدم مئات الآلاف سنويا في السنوات الأخيرة. وحسب أحدث كتاب إحصائي سنوي لوزارة العمل (من موقع الوزارة) زاد عدد الوافدين بنحو 860 ألفا عام 2013 مقارنة بالعام الذي قبله. وهذا عدد يتجاوز عدد طالبي الوظائف السنوي من السعوديين. ولا أتوقع أن العدد نقص كثيرا عام 2014 أو 2015. ومعروف أن أكثر اليد العاملة المستوردة متدنية المهارة.

بربكم، هل يصبح الحديث عن معنى البطالة ومعالجتها له معنى تحت الوضع السابق؟ هل للتعريف معنى عندما نستورد يدا عاملة لشغل غالبية الوظائف في بلادنا؟ الذي نعرفه أن أولاد (بنين وبنات) كل دول العالم (باستثناء بضع دول هي دول مجلس التعاون تقريبا) يشغلون كل المهن والوظائف تقريبا في بلادهم، ومنها دول كبيرة المساحة و/أو بالغة الثراء والتطور الاقتصادي كسويسرا والنرويج وكندا واليابان وأستراليا وأمريكا. مؤكد أننا سنجد غير مواطنين في دول العالم يعملون في مختلف المهن، لكنهم أقلية، لا يشكلون ولا حتى ربع عدد العاملين في أي مهنة تقريبا.

حتى لو كان توليد الوظائف في بلادنا قليلا، مثلا لا يزيد على نصف عدد السعوديين الداخلين سنويا على سوق العمل، كان بإمكاننا القضاء على البطالة في بلادنا الى حين من الدهر. بمعنى آخر، صحيح أن توليد الوظائف مطلب، أي أننا نحتاج إلى توليد وظائف وخاصة المهنية، ولكن هذا التوليد ليس هو المشكلة رقم 1 في الوقت الحالي، بل هو المشكلة رقم 2. مشكلتنا الأولى في الوقت الحالي هي في تشغيل ما لا يقل عن نصف السعوديين الجدد على سوق العمل تشغيلهم في وظائف موجودة أصلا لكننا نستورد من يشغلها. ستصبح مشكلة التوليد مشكلتنا الأولى بعد حين من الدهر، ربما بعد 25 سنة بعد أن ننجح في معالجة مشكلتنا الأولى.

كيف نشغل ما لا يقل عن نصف السعوديين الجدد على سوق العمل كيف نشغلهم في وظائف موجودة أصلا؟ هذا هو التحدي الأكبر في سوق العمل.

كنت وما زلت على قناعة تامة أن الخطوة الأولى أو العلاج رقم 1 هو في إلغاء ما يسمى كفالة المؤسسات والشركات التي أنتجها نظام الإقامة، طبعا بالتدريج. حتى لا يساء الفهم أو ينقل عني ما لم أقل، فإن كونه الخطوة الأولى يعني أنه وحده لا يكفي.

يرى كثيرون أن ثروة النفط هي العامل الأول في استيراد اليد العاملة. وأنا أقول إنها صارت كذلك في ظل نظام الإقامة القائم على ما يسمى الكفالة. من دون هذا النظام، أي لو كان عندنا نظام شبيه بما يسمى الجرين كارد، يتصف بأن 1 - الوافد كالسعودي في حرية الانتقال وتغيير صاحب العمل، أي أن الوافد غير ملزم بالارتباط بصاحب عمل بعينه أو ما يسمى كفيلا، 2 - صدور تأشيرات عمل سنويا بعدد أقل من ثلث عدد الوظائف المتوقع توليدها سنويا بناء على دراسات حكومية، 3 - توظف الشركات والمؤسسات من الداخل فقط. لو كان عندنا هذا النظام بهذه الصفات (التي تتطلب طبعا تنظيمات وتفاصيل كثيرة) لشهدنا خلال الـ 50 عاما الماضية وضعا يشح فيه العرض (أي ندرة أو قلة اليد العاملة) مقابل زيادة الطلب على اليد العاملة مع نمو الاقتصاد (النمو هنا لا يعني مدحا ولا ذما لنوع هذا النمو، وإنما هو توصيف لازدياد حجم الاقتصاد).

ما النتيجة على سوق العمل؟ أخذا بعين الاعتبار أن آباءنا كانوا يعتمدون على أنفسهم، أي كانوا يعملون في مختلف المهن السائدة بتفاوت بين مناطق ومحافظات بلادنا.

النتيجة خلال السنوات الـ 50 أو الـ 60 الماضية باختصار ارتفاع أجور اليد العاملة ارتفاعا قويا يجعل السعوديين يستمرون في ممارسة المهن السائدة قبل عصر البترول، طالما أنها مازالت مرغوبة، بدلا من هجرانها مع مرور السنين، ويجعلهم في الوقت نفسه يعملون ويكتسبون مع مرور السنين المهارات في غالبية المهن والمهارات الحرفية الجديدة علينا.

والنتيجة في وقتنا هذا أننا سنكون بعيدين عن مواجهة مشكلة حاليا.

*نقلاً عن "الإقتصادية"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة