عاجل

البث المباشر

هل هناك حالة من عدم الثقة بالسوق المالية؟

تقوم الحكومات بإصدار التشريعات اللازمة؛ لتنظيم وتنشيط سوق الأوراق المالية، بهدف توفير الثقة بها، وتوافر عنصر الأمان والطمأنينة إلى سلامة التعامل في السوق، وتوفير كل السبل لتطويرها؛ لتحفيز صغار المدخرين والمستثمرين على الاستثمار في السوق بكل طمأنينة.

يقول رابح رتيب في بحث بعنوان "مستقبل الخصخصة" نشر في كتاب الأهرام الاقتصادي "إن الاهتمام بصغار المستثمرين له العديد من المزايا من أهمها: تحقيق الحافز الشعبي للمشاركة في العمليات الاستثمارية، وتشجيع الأفراد علي الاستثمار الذي سيؤدي إلى زيادة مدخراتهم. فضلا عن تكوين وعي استثماري يزداد بشكل تدريجي لدى الطبقات الوسطى والدنيا من المجتمع، وما يحدثه هذا من أثر إيجابي على الاقتصاد القومي بشكل عام". كما أن فتح مصادر استثمارية لهذه الطبقات في المجتمع يربط المستثمر الذي هو في الأصل مواطن ببلده لأنه يخاف على استثماراته، ما يساعد في كسب ولائه.

وتعد سوق المال وعاء استثماريا جيدا للمستثمر المحلي، لذا يفترض أن يراعى فيها عدد من القواعد التي تشعر المستثمر بالأمان والثقة ومنها طريقة التسعير التي ينبغي أن تحددها حرية طريقة العرض والطلب، والاتجاه إلى الأخذ بآليات السوق، وتوافر شفافية التداول، وقيام الشركات بالإفصاح عن كل المعلومات التي من المحتمل أن تؤثر في قيمة أسهمها، وكذلك يجب حماية المستثمر من الممارسات غير العادلة التي يقوم بها الوسطاء والدخلاء. كما ينبغي التنبه إلى المحللين الماليين غير المتمكنين أي الدخلين على المهنة الذين ضلوا وأضلوا وأصبحوا يقدمون تقاريرهم وفقا لآراء شخصية وظنون غير واقعية دون أن يؤخذ في الاعتبار أسس التنبؤ العلمية والقراءات المنطقية للقوائم المالية. نحن لا نتوقع من المحل المالي أن يطلع على الغيب، ولكن هناك أدوات علمية وأساليب كمية ومعادلات رياضية تستشف المستقبل متعارف عليها في مجال الدراسات المالية. أما التحليل المالي الخالي من القواعد العلمية الأساسية والمبني على الظنون ووجهات النظر فضرره على المستثمر الصغير أكثر من نفعه. لذا يجب فرض عقوبات على أولئك المتلاعبين بعواطف المستثمرين والمتجاوزين لأصول تقديم الاستشارات والمستغلين لجهل الناس في السوق المالية من وسطاء وسماسرة ومحللين ماليين.

وقد تم تطوير السوق المالية السعودية التي تعد سوقا ناشئة مقارنة بالأسواق المالية العالمية خصوصا الدول الصناعية. فقد أسست أول شركة مساهمة في المملكة عام 1954 لتصبح 48 شركة في نهاية عام 1982. وقد كان تداول أسهم الشركات يتم بشكل غير منظم إلى أن قامت الحكومة، مباشرة بعد أزمة سوق المناخ في الكويت، بالتدخل لتنظيم السوق عام 1984. حيث تم تحويل دور السمسرة بشكل رئيس من المكاتب غير المرخصة إلى المصارف المحلية التجارية. وفي عام 1990 تمت ميكنة عملية تداول الأسهم عن طريق النظام الآلي لتداول الأسهم المعروف باسم إيسس ESIS Electronic Security & Information System

وتم تحديث النظام منذ تطبيقه تسع مرات، إلى أن استبدل في نهاية 2001م بنظام تداول جديد أطلق عليه اسم (تداول) Tadawul هذا من الناحية التطبيقية، أما من الناحية التنظيمية، فتعد هيئة السوق المالية، التي أنشئت عام 2003م، الجهة المشرفة على السوق. و تعد السوق المالية السعودية (تداول) ـــ التي تمت الموافقة على إنشائها عام 2007 ـــ أكبر الأسواق العربية من حيث القيمة السوقية، فقد بلغت أوجها خلال الفترة من 2003 إلى بداية عام 2006م عندما وصلت قيمتها السوقية إلى 834 مليار دولار حسب المعلومات المنشورة في موقع تداول.

وقد تضاعف عدد الشركات المدرجة في السوق والتداول فيها مباشرة كما أنه ليس حكرا على المواطنين السعوديين بل مسموح لمواطني دول مجلس التعاون، والمقيمين في المملكة، ويمكن لغير هؤلاء التداول في السوق بشكل غير مباشر عبر صناديق الاستثمار. ووقعت هيئة السوق المالية عام 2006 عقدا مع شركة دولية متخصصة لتزويد السوق المالية السعودية بالأنظمة والحلول التقنية الحديثة لعمليات التداول والتسجيل والإيداع ومراقبة السوق. وتنشر السوق مؤشرها الرئيس TASI الذي يغطي كامل السوق، وقطاعاته الرئيسة، ويتم حسابه بناء على جميع الأسهم المتداولة وغير المتداولة.

وعلى الرغم من كل ما قدمته الجهات السعودية المعنية بتنظيم السوق المالية فإن هناك عزوفا عن الاستثمار من قبل المستثمرين الأفراد، سعوديين وغير سعوديين، خلال السنوات الأخيرة ما يدل على أن هناك حالة من الشك وعدم الثقة بالسوق. وقد ظهر هذا الشك وعدم الثقة نهاية 2008 إبان ظهور بداية الأزمة المالية العالمية التي ألقت بظلالها على الأسواق المالية، ومنها السوق السعودية.

وموضوع كهذا يحتاج إلى وقفة وتساؤل ودراسة حول اتجاهات المستثمرين نحو الاستثمار في السوق المالية السعودية. فالوضع يحتاج إلى دراسة العوامل (الأسباب) التي تدفع المستثمرين نحو التعامل مع السوق المالية السعودية وفي الوقت نفسه دراسة المعوقات التي تحد من كفاءة السوق. أرى أنه ينبغي البعد عن العشوائية والاستناد إلى التقارير غير الدقيقة المقدمة من غير المتخصصين. كما أرى بديلا عن ذلك اتباع الطرق العلمية لدراسة كفاءة السوق المالية السعودية. ففي البداية ينبغي القيام بدراسة استكشافية على عينة صغيرة من المستثمرين بهدف الوقوف على المشكلة بشكل يعكس الواقع الفعلي من خلال التعرف من كثب على نوعية الدوافع التي تدفعهم للاستثمار في السوق المالية والمعوقات التي تقيدهم.

ويمكن استغلال مراكز التداول التابعة لهيئة سوق المال في المدن الرئيسة في المملكة لإجراء الدراسة الاستكشافية بصفتها المكان المناسب لتجمع أكبر قدر ممكن من المستثمرين، وترتاده نوعيات مختلفة من المستثمرين تمثل شرائح المجتمع المختلفة "ذكور وإناث، مختلف الأعمار، سعوديين وغير سعوديين، مختلف الدخول والمصادر".

ولكن الدراسة الاستطلاعية هذه غير كافية لمعرفة حال الشك وعدم الثقة بالسوق ما لم يتبعها إجراء دراسة علمية موسعة لدراسة هذه المشكلة وجمع البيانات عنها ثم استخدام الأساليب الإحصائية المناسبة للوصول إلى توصيات وآليات تمكن متخذ القرار في السوق من التعرف على حالة عدم الثقة وكذا المعوقات التي تقف أمام المستثمرين ومن ثم اقتراح الحلول المناسبة لتذليلها.

*نقلاً عن "الإقتصادية"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة