سياسة متجددة للأوبك تدعم أسواق النفط

محمد الشطي

نشر في: آخر تحديث:

وصل معدل أسعار النفط الخام "برنت" خلال الأشهر يناير – يونيو 2016 عند 38 دولارا للبرميل، بينما وصل معدل النفط الخام الكويتي 33 دولارا للبرميل، أي أن الفروقات ما بين نفط الإشارة برنت والكويتي تدور حول 5 دولارات للبرميل.

وقد بلغ متوسط أسعار النفط الخام الكويتي منذ بداية السنة المالية الحالية 2016 -2017 وإلى الآن 40 دولارا للبرميل، وهو مؤشر إيجابي يوضح أوضاعا أفضل للسوق.

إن الناظر لأسواق النفط منذ النصف الثاني من عام 2014 يلاحظ تأثر الإنتاج في مناطق عديدة من العالم سواء الإنتاج من النفط التقليدي أو غير التقليدي، فقد انخفض إنتاج نيجيريا من النفط الخام من 1.9 مليون برميل يومياً خلال شهر يناير 2015 ليصل إلى 1.2 مليون برميل يومياً خلال شهر مايو 2016، أي هبوط مقداره 600 ألف برميل يومياً وهو مرشح للزيادة والاستمرار لأشهر قادمة على الأقل.

كذلك الأمر بالنسبة لإنتاج النفط من فنزويلا فقد انخفض من 2.4 مليون برميل يومياً في شهر يناير 2015 ليصل إلى 2.1 مليون برميل يومياً خلال شهر مايو 2016، أي هبوط مقداره 300 ألف برميل يومياً.

كذلك الأمر بالنسبة لإنتاج النفط الخام من ليبيا والذي هبط من 500 ألف برميل يوميا في شهر ابريل 2015 ليصل حاليا حول 300 ألف برميل يومياً، والأمر يتعلق بشكل رئيسي في أوضاع ليبيا الجيوسياسية.

ولا يمكن أن يُنكر أحد دور منظمة الأوبك في ضمان أمن المعروض في أسواق النفط، وقد نجحت أوبك في رفع انتاجها من النفط الخام من 30.8 مليون برميل يومياً في شهر يناير 2015 ليصل إلى 32.6 مليون برميل يومياً خلال شهر مايو 2016، أي زيادة مقدارها 1.8 مليون برميل يومياً رغم أجواء ضعف أسعار النفط، وتوفر مخزون نفطي عالمي عند مستويات قياسية يمثل صمام امان إضافي للإمدادات النفطية في الأسواق، يتزامن مع تآكل الطاقة الإنتاجية الإضافية التي تمتلكها الأوبك سابقاً مع استمرارا الدول في الإنتاج عند أقصى قدراتها الإنتاجية.

والواضح أن هناك ثلاثة تطورات تعزز تماسك مستويات أسعار النفط وهي استمرار تعافي الطلب العالمي على النفط وإن كان بمعدلات تقل عما كانت عليه في عام 2015، عند مستويات تدور حول 1.2 مليون برميل يوميا، انخفاض إنتاج النفط من خارج الاوبك ويشمل النفط الصخري ومناطق أخرى مثل المكسيك، بحر الشمال وغيرها، حيث جاء تأثر استمرار مناطق اخرى مثل كندا بالرغم من التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى اقتراب عودة الإنتاج الكندي إلى مستويات طبيعية، ويتزامن ايضاً مع أوضاع جيوسياسية في عدد من دول الاوبك مثل فنزويلا ونيجيريا وليبيا زاد من تخوف السوق حول نظام أمن الإمدادات بالرغم من كفاياتها حالياً، وهو ما جعل العديد من المختصين والمراقبين ينتبهون إلى ضرورة ارتفاع اسعار النفط ربما باتجاه يفوق 50 دولارا للبرميل من أجل ضمان استمرار الاستثمار في انتاج نفط جديد تحتاجه اسواق النفط في المستقبل وتفادي التعرض لقفزات في أسعار النفط تسهم في ضعف أداء الاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق يؤكد الدكتور غاري روس رئيس البيت الاستشاري "بيرا" أن كل السنوات السابقة التي اعقبت ارتفاعا كبيرا في اسعار النفط شهدت تباطؤا في الاقتصاد العالمي وهذا ما حدث في عام 2008 وسنوات سابقة.

ويقدر البيت الاستشاري سيرا انخفاض الإنفاق الرأسمالي في قطاع الاستكشاف والإنتاج في العالم بـ31% ما بين 2014 -2015 من إجمالي 725 مليار دولار إلى 500 مليار دولار، ومن المرجح ان ينخفض إجمالي الإنفاق بـ15% ليصل إلى 424 مليار دولار أو أل خلال العام الحالي.

وفي هذه الأجواء تأتي سياسة اوبك المتوازنة للإنتاج والتي تقضي باستمرار الاستثمار في تطوير الانتاج وفق التوجهات الاستراتيجية للدول من دون استهداف إغراق الأسواق ولكن الانتاج حسب احتياج تنامي الطلب وهو ما أعطى اريحية للأسواق من خلال التصريحات المتوازنة التي صدرت عن معالي وزاره النفط والبترول والطاقة في الاوبك بعد المؤتمر الوزاري للأوبك في 2 يونيو 2016، والتي عبرت عن أجواء إيجابيه تعزز قنوات التواصل والتعاون لاستقرار الأسواق والأسعار وان الوزراء يتطلعون لأسعار ربما تفوق الخمسين دولارا للبرميل تشجع الاستثمار.

ومن المتوقع أن تبرز مؤشرات ثابتة للتعافي في أسواق النفط خلال الأشهر القادمة وتشمل بدء موسم الطلب على الجازولين وتوقعات استمرار انخفاض الانتاج من خارج الاوبك وسحوبات من المخزون باتجاه توازن الاسواق مع نهاية العام وبلوغ اسعار نفط الإشارة برنت إلى مستويات تفوق 55 دولارا للبرميل مع نهاية العام.

ولذلك فإن المواضيع التي تظل تشغل اهتمام السوق خلال عام 2016 والتي تحدد سقف تعافي الاسعار في الفترة التي تأتي فيما بعد انتهاء مؤتمر اوبك الوزاري.

(١) استمرار تأثر الإنتاج في مناطق مختلفة ولأسباب متنوعة سواء فنية أو جيوسياسية أو ضعف أسعار النفط الخام.

(٢) كذلك متابعة مدى نجاح دول بعينها مثل إيران في رفع انتاجها من دون تأثير على مسار أسعار النفط.

(٣) وإقبال المنتجين على اللجوء إلى آلية التحوط كضمانة مستقبلية في الاسواق الآجلة لنشاطهم والمحافظة على ارباحهم بأقل الخسائر مع تعافي الأسعار باتجاه 50 دولارا للبرميل.

(٤) ثم متابعة بدء انخفاض المخزون النفطي العالمي بعد بلوغ الذروة، بشكل متواصل ومتدرج إلى حين تحقيق التوازن.

(٥) وتحول في هيكلة اسعار النفط باتجاه الباكورديشين لتشجع السحوبات من المخزون وتؤكد تحقق توازن العرض والطلب في السوق ودعم الأسعار.

(٦) تعافي الطلب العالمي على النفط مدعوماً بالتوسع في قطاع النقل والبتروكيماويات واستهلاك الجازولين والنافثا والتعافي في الاسواق الناشئة خصوصا الهند والصين.

(٧) رفع الفائدة الأميركية وسط مؤشرات ايجابية لأداء الاقتصاد الأميركي وما يعني ذلك لأسواق النفط ومتانة الدولار

(٨) كما أن خروج عدد أكبر من المصافي في مناحي العالم في برامج الصيانة متأثرا بضعف هوامش أرباح لمصافي بسبب ارتفاع أسعار النفط

(٩) ويعتبر أداء الاقتصاد في العالم عاملا حيوياً وهو المحرك الرئيسي لأنماط استهلاك الطاقة بأنواعها في العالم مع التأثير على التوسع الصناعي والديموغرافي

(١٠) تناقص المعروض من النفط الخفيف الفائق النوعية مع تأثر الانتاج في إفريقيا وأميركا.

(١١) وتبقى متابعة مقدار انخفاض انتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة الأميركية من اهم العوامل التي تؤدي إلى التأكد من المسار باتجاه توازن السوق النفطية.
(١٢) ومتابعة تحرك الفروقات ما بين نفطي الإشارة برنت والأميركي التي ستؤثر على أنماط واردات النفط الخام إلى الولايات المتحدة.

(١٣) واستجابة نشاط انتاج النفط الصخري مع تعافي أسعار نفط خام الإشارة برنت، لأن درجة عودة الإنتاج إلى مستويات السابقة ستؤثر على سقف أسعار النفط.

(١٤) ويظل إجمالي انتاج منظمة الاوبك مقابل الطلب على نفط الاوبك محط اهتمام السوق النفطية لأن ذلك ايضاً يحدد حجم أجواء التنافس ما بين المنتجين من اجل المحافظة على أسواق المنتجين.

(15) سلوكيات وتحرك بيوت المضاربة والتي لا يشك احد في دورهم في دعم أي توجه للأسعار سواء في الصعود أو الهبوط من خلال الشراء وتعزيز مراكزهم أو البيع من أجل جني الأرباح وتقليل الخسائر.

ورغم أجواء التعافي تظل هناك مخاطر حيث يتخوف السوق من حدوث عده أمور تستحق الوقوف عندها

(١) تباطؤ أداء الاقتصاد الصيني بشكل غير متوقع وإمكانية حدوث حال مشابه لعام ٢٠٠٨ كساد اقتصادي

(٢) تنافس ما بين المنتجين خصوصا السعودية وإيران وما يعني ذلك على الاسواق والأسعار، وإن كانت أجواء المؤتمر الوزاري للأوبك خففت كثيراً من تلك الأجواء.

(٣) كما أن عودة نشاط إنتاج النفط الصخري للنامي بمعدلات عالية.

(٤) بقاء أسعار النفط الخام "برنت" عند مستويات الاسعار الحالية لفتره أطول قد يؤثر على وفره الإمدادات النفطية في المستقبل وهو رأي يعبر عنه كثير من المراقبين.

(٥) كما أن بقاء متانة الدولار قوياً والذي بدأ منذ ٢٠١٢ واستمر لغاية الآن بينما يشهد العالم تباطؤا في معدلات النمو

(٦) أن تتخلى منظمة الأوبك عن دورها في تنظيم وإدارة إمدادات النفط في السوق وبالتالي تبقى الاسواق تحت رحمة المضاربين والتذبذب والتقلب

(٧) وإمكانية بلوغ الطلب العالمي على النفط الذروة

(٨) واستمرار المخزون النفطي عند مستويات عالية، والتي تقدر حاليا عند 380 مليون برميل أعلى من المستويات التاريخية خلال السنوات الخمس الماضية.

* د. محمد الشطي، محلل نفطي كويتي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.