أهمية البيئة الحاضنة في نجاح المشاريع الصغيرة

ذكاء مخلص الخالدي

نشر في: آخر تحديث:

عندما يتأزم الوضع الاقتصادي لسبب ما، تطالب جهات مختلفة أكاديمية وسياسية ومهنية بضرورة تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وتبرز هذه المطالبة بخاصة عندما ترتفع معدلات البطالة أو تنخفض أسعار النفط وينتج منها انخفاض نفقات الموازنة العامة للدولة، أو عندما تطالب مؤسسات دولية بضرورة تقليص الفقر وتنويع الاقتصاد، إلى غير ذلك من الأسباب المحقة. وكرد فعل على هذه المطالبات قد تطلق الحكومة تصريحات تعلن فيها اتخاذ إجراءات عاجلة لتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، أو يسارع البنك المركزي إلى تقديم قروض سخية إلى المصارف هدفها توفير التمويل اللازم للتوسع في إنشاء مثل هذه المشاريع.

إن أهمية الدور الذي تؤديه المشاريع الصغيرة والمتوسطة في تنويع الاقتصاد وزيادة فرص العمل وتقليص الفقر وزيادة معدلات النمو الاقتصادي، حقيقة متفق عليها ولا تحتاج نقاشاً للانتهاء بقبولها أو رفضها. فأهمية هذه المشاريع معروفة في اقتصادات كل الدول المتقدمة، كما أن الكثير من الدول النامية التي نجحت في تحقيق معدلات نمو اقتصادي عالية ولفترات متواصلة، اعتمدت في شكل كبير على هذه المشاريع. ولكن الاختلاف ربما يكمن في أهمية توافر الظروف الأساسية لنجاح هذه المشاريع واستدامتها. فهي مهما كانت صغيرة، لا تنشأ من فراغ أو بقرار سياسي عاجل أو بتوفير التمويل فقط. فالأخير وحده، كما حصل ولا يزال يحصل في بعض الدول، يشجع المغامرين على الإقدام على مشاريع تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات النجاح. وتنتهي المغامرة بفشل المشروع وعجز المدين عن الدفع وهدر مبلغ التمويل. وينطبق الشيء ذاته على القرارات السياسية العاجلة التي تعفى من الرسوم الجمركية أو توفر مواد أولية مدعومة أو تسرّع إنجاز المعاملات.

تحتاج المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لتكون ناجحة ومستدامة وتحقق الأهداف المتوخاة منها، إلى بيئة حاضنة توفر لها كل مقومات النجاح بدءاً من الاستراتيجيات الاقتصادية التي تعتبرها إحدى أولوياتها، وتبني السياسات اللازمة لتنفيذها، وانتهاءً بالتسويق الداخلي والخارجي (الصادرات) لمنتجات هذه المشاريع وخدمة ما بعد البيع.

إن من أخطر الأخطاء الشائعة في ممارسات الدول النامية الاقتصادية، تبنيها سياسات مجتزأة لتحقيق الأهداف التي تخطط لها، وعدم تبني حزمة من السياسات تكمل بعضها بعضاً حتى لا تتمخض عن نتائج متناقضة كما يحصل في حال السياسات المجتزأة.

ولتكوين بيئة حاضنة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة حتى تكون ناجحة ومستدامة لا بد من توافر الآتي:

- تتبنى الحكومة تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة كأولوية في استراتيجيتها الاقتصادية. ولتحقيق هذه الأولوية، تتبنى سياسات مالية ونقدية وتجارية وإنتاجية متكاملة مع بعضها البعض. لأن عدم تبني هذه السياسات المتكاملة سيؤدي في شكل حتمي إلى أن نتائج سياسات معنية لتشجيع هذه المشاريع، مثل توفير التمويل، ستعجز عن تحقيق أهدافها إذا كانت السياسة التجارية المطبقة، على سبيل المثال، غير داعمة لنجاحها. وكمثال على ذلك أعلن البنك المركزي العراقي في السنة الماضية عن نيته منح المصارف الخاصة قرضاً بـ5 بلايين دولار لتأمين التمويل الكافي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. ولكن في الوقت ذاته، تعتمد السياسة التجارية للحكومة العراقية أسلوب الباب المفتوح حيث الأسواق العراقية مشرعة على كل أنواع الاستيراد من كل المصادر. وهنا يتساءل المرء، كيف تستطيع هذه المشاريع التي منحت تمويلاً بـ5 بلايين دولار، أن تسوق منتجاتها في الداخل، ناهيك عن الصعوبات التي ستجدها في التصدير؟

- تنظيم دورات تدريبية إجبارية، بالتعاون مع مؤسسات دولية وإقليمية ذات علاقة للراغبين بتأسيس مشاريع صغيرة ومتوسطة خصوصاً من الشباب، لتدريبهم على كيفية البدء بمشروع والخطوات المطلوبة لاختيار المشروع الناجح وعدم القفز لتأسيس مشروع من دون إعداد دراسة جدوى مسبقة.

- تأسيس هيئة دائمة تابعة لمجلس الوزراء تتكون من عضوية الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة كالمالية والتجارة والصناعة والزراعة والنقل والعدل والبنك المركزي والمصارف الخاصة، هدفها متابعة تطبيق السياسات الخاصة بتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة واقتراح المعالجات للصعوبات التي تواجهها هذه المشاريع.

- السعي إلى تكامل أنشطة المشاريع الصغيرة والمتوسطة مع الأنشطة الصناعية والزراعية والتجارية الكلية للاقتصاد لضمان استدامة نجاحها. ويعتبر هذا التكامل أهم أسباب نجاح مثل هذه المشاريع في الدول المتقدمة.

- تشجيع بعض المشاريع الصغيرة والمتوسطة على ربط أنشطتها بأسواق التصدير من خلال اتفاقات مسبقة مع جهات خارجية.

وفي حال العجز عن توفير هذه الأساسيات، تظل محاولات تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة في غالبية الدول النامية تدور في حلقة مفرغة.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.