تصحيح أخطاء وأوهام عقارية

صالح السلطان

نشر في: آخر تحديث:

ارتفاع نسبة سعر الأرض إلى سعر السكن موجود في عديد من مدن العالم؛ مع القناعة بأن نسبة سعر الأرض إلى سعر السكن في مدننا الكبرى عالية جدا، وهناك مجال لخفضها بما يجعل تملك سكن أقل صعوبة، لكننا لسنا الوحيدين في ارتفاع النسبة، مثلا، يصدر معهد لنكولن لسياسات الأراضي الأمريكي مؤشرات عن أسعار المساكن ونسبة سعر الأرض منها في عشرات المدن والضواحي الأمريكية، وإليكم الرابط: www.lincolninst.edu/subcenters/land-values/metro-area-land-prices.asp

تقول المؤشرات إن نسبة سعر الأرض إلى سعر السكن تتفاوت تفاوتا كبيرا جدا، إذ تراوح بين 5 في المائة و85 في المائة اعتمادا على المكان المختار وظروفه والسنة. مثلا، كان متوسط النسبة في مطلع العام الجاري 2016، في مدينة نيويورك وضواحيها حول 55 في المائة وفي أتلانتا حول 29 في المائة وفي بوسطن حول 60 في المائة وفي هيوستن حول 25 في المائة وفي لوس أنجلوس حول 71 في المائة. الشيء نفسه تقريبا قد نراه في دول أخرى.

انخفاض الأسعار بشدة أرى أن من يستفيد منه هم الأغنياء:

انخفاض الأسعار بشدة مطلب، لكن نفعه في نظري يشبه نفع الإعانات العامة المتاحة للجميع، ويستفيد منها كميا الغني أكثر من الفقير. مثلا، يغري بعض من كان يفكر في تملك بيت مساحة أرضه كذا (1500 م2 مثلا)، يغريه بالتفكير في مساحة أكبر كثيرا، ويغري أصحاب الدثور (المال) بزيادة أملاكهم العقارية أو تغيير بيوتهم واستراحاتهم ومزارعهم إلى أكبر منها، وزيادة الطلب تعمل طبعا على زيادة الأسعار، أي أن الانخفاض الشديد لو وقع سيكون مؤقتا بطبيعته.

لا يصلح تعميم نسبة ارتفاع أو انخفاض في أسعار أراض وأحياء بعينها:

لا أشك أنه قد حصلت حركة وحصل ارتفاع شديد في متوسط أسعار الأراضي في الطفرة الماضية، ثم حصل ركود و/أو انخفاض عام في متوسط أسعار الأراضي منذ أواخر 2014، ولكن طبعا بدرجة أقل كثيرا من ارتفاعات فترة الطفرة في تلك الفترة.. السؤال كيف كان الارتفاع وكيف كان الانخفاض أو الركود؟ هذا السؤال الأهم لأن الأرض سلعة غير متجانسة، وكونها غير متجانسة نقطة جوهرية سواء في الحديث عما حصل أو عما نتوقع حصوله في انخفاض أسعار الأراضي، حتى لا نقع في معلومات خاطئة عن عمد أو جهل،

وللتشبيه، أمثل بمن يعرض صورتين لشارعين (أو حيين أو مدرستين أو...إلخ) أحدهما تبدو عليه علامات الرقي وهو في دولة متخلفة اقتصاديا، والآخر تبدو عليه علامات الإهمال والوساخة وهو في دولة متقدمة اقتصاديا، هل يصلح الاستنباط أن شوارع الدولة المتخلفة أفضل من مثيلتها في الدولة المتقدمة؟ هذا استنباط غير صحيح رغم صحة الصورتين، ولو تقصينا لوجدنا أن الشارع الأول أفضل أو من أفضل شوارع الدولة المتخلفة والثاني أسوأ أو من أسوأ شوارع الدولة المتقدمة.

وتطبيقا أوضح ما أقول بمثال؛ كان متوسط أسعار الأراضي السكنية في أحياء كانت قبل 20 عاما تعتبر في حكم الخالية من السكان أو مشغولة غالبا باستراحات مثل عموم الأحياء الواقعة مباشرة شمال الدائري الشمالي بالرياض، كانت تدور حول 200 ريال للمتر المربع قبل 20 عاما، والآن الأسعار تدور غالبا حول 2000 ريال، أي بزيادة تصل إلى 1000 في المائة أي عشر مرات، هل نعمم نسبة الزيادة؟ لا، فأسعار الأحياء المخدومة المأهولة بالسكان منذ 30 عاما أو أكثر مثل كثير من الأحياء المجاورة للدائري الشرقي والأحياء جنوبي الدائري الشمالي مباشرة كانت تدور حول 600 ريال للمتر المربع قبل 20 عاما، أما الآن فتدور حول 2000 ريال للمتر المربع، أي بزيادة ثلاث إلى أربع مرات تقريبا وليس عشر مرات.

ومن جهة الانخفاض، تلا تدهور أسعار النفط في عقد الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي، تلا ذلك هبوط في أسعار الأراضي، لكن الهبوط تفاوت تفاوتا كبيرا اعتمادا على الموقع وظروف وخصائص المكان، مثلا، كان الانخفاض في أسعار الأراضي السكنية في المخططات البعيدة غير المطورة كان كبيرا تراوح بين 50 و80 في المائة، أما في الأحياء المسكونة المخدومة فقد كان انخفاض أسعار الأراضي السكنية غالبا غير كبير، لم يتجاوز 25 في المائة.

ارتفاع نسبة قيمة العقارات إلى الناتج المحلي صفة عالمية:

يرى البعض أن قيمة الأصول العقارية في بلادنا مرتفعة جدا، حيث تساوي حجم الناتج المحلي بمرتين أو ثلاث مرات، ولكن الحقيقة أن هذا الوضع موجود على المستوى العالمي، مثلا، ذكرت جريدة "التلغراف" البريطانية في عدد 24 كانون الثاني (يناير) 2016 أن قيمة الأصول العقارية في العالم تبلغ تقريبا ثلاثة أضعاف الناتج المحلي العالمي. www.telegraph.co.uk/finance/property/news/12116347/What-is-all-the-property-in-the-world-worth.html

هذا الوضع ليس بغريب، ذلك أن نسبة قيمة ما يعرض في أي وقت للبيع أو يطلب للشراء إلى قيمة كل الأصول العقارية في ذلك الوقت هذه النسبة صغيرة جدا.

لدينا نقص وليس شح سيولة:

قيل كثيرا إننا نعاني من شح السيولة، هذا الكلام غير دقيق، وربما نتيجة سوء ترجمة للعبارة liquidity shortage. دون دخول في تفاصيل فنية لا تناسب القارئ غير المتخصص، لدينا نقص في السيولة مقارنة بسنوات قليلة، لكنه لم يصل إلى حد الشح، واتخذت خطوات فعالة لتقليله، ومن جهة عرض النقود الذي هو محدد أساسي للتضخم، لم ينخفض هذا العرض حسب بيانات مؤسسة النقد، فقد بلغ بتعريفه الأوسع قرابة 1774 مليار ريال نهاية العام الماضي مقارنة بـ 1729 نهاية 2014، ثم انخفض انخفاضا بسيطا وبصورة متذبذبة خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الجاري ليبلغ 1762 مليار ريال في نهاية أيار (مايو) الماضي. ومن المهم الإشارة إلى أن مصدر الانخفاض هو الودائع الزمنية والادخارية، وليس الحسابات الجارية والنقد خارج المصارف، التي بالعكس زادت من 1146 مليارا في نهاية 2015 إلى 1160 مليار ريال في نهاية أيار (مايو) 2016.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.