فرص سعودية في قطاع التكنولوجيا الحيوية

فيليب ستيفنز

نشر في: آخر تحديث:

استغل صاحب السمو الملكي، الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي ولي العهد السعودي، زيارته للولايات المتحدة الأميركية خلال شهر يونيو الماضي للتعريف بالخطة التنموية الحكومية الطموحة "رؤية المملكة العربية السعودية 2030". وهي الاستراتيجية الساعية لتعزيز وزيادة الدور الذي يلعبه القطاع الخاص في دعم اقتصاد المملكة، والتي قابلها الجانب الأميركي بترحاب وحماس كبيرين، واجتذبت شركات مثل "داو كيميكال"، و"ثري إم" و"فايزر" للدخول في مشاريع استثمارية بالمملكة.

وتتضمن "رؤية السعودية 2030" برنامج التحول الوطني، وهو برنامج يعكس رؤية راسخة للتنويع الاقتصادي بعيداً عن القطاع النفطي ونحو الابتكار المعرفي والتكنولوجي ذي القيمة العالية. ولكن، لا يمكن أن تكون المكاسب السعودية المحتملة من هذه الرؤية أكبر من تلك التي يمكن أن تجنيها المملكة من قطاع مزدهر مثل المستحضرات الدوائية الحيوية، وهو القطاع الذي لا يحظى بالتركيز الكافي ضمن "رؤية السعودية 2030" وبرنامج التحول الوطني.

ويكفي أن نعرف أن جميع الدول الناجحة ذات المدخولات المرتفعة باتت تعتمد على صناعاتها المبتكرة لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، ومجالات عمل ذات مهارات عالية. وبالنظر على سبيل المثال، لقطاع الصناعات الدوائية في الولايات المتحدة الأميركية الذي يضم بشكل كبير شركات تتبنى الابتكار ومجالات البحث والتطوير، نجد أن هذا القطاع ينتج بشكل مباشر حوالي 461 ألف دولار أميركي لكل موظف مقارنةً بمتوسط 149 ألف دولار لكل موظف في قطاعات أخرى. كما يساهم هذا القطاع في أوروبا بفائض تجاري يصل إلى 54 مليار دولار سنوياً، ولذلك فلا عجب أن تنظر حكومات مثل هذه الدول لقطاع الصناعات الدوائية الحيوية كجوهرة متلألئة على تاج اقتصاداتها.

ولكن ومن ناحية أخرى، نجد أن "رؤية السعودية 2030" تدرك الإمكانات الاقتصادية لقطاع الرعاية الصحية، ولكنها مع ذلك تغض النظر عن حقيقة مهمة، وهي أن أكبر المكاسب الاقتصادية تأتي من مجالات البحث والتطوير في القطاع الطبي تزامناً مع حرصها على بناء المستشفيات والبنية التحتية.

تمتلك المملكة العديد من المزايا التي يمكن أن تقودها لمسار البحث والتطوير، والتي تتمثل في عدد سكانها المتنامي، وقاعدتها العلمية المتميزة من الخريجين الشباب، إضافة لاستثماراتها الكبيرة نسبياً في الرعاية الصحية. كما أعادت مؤخراً تنظيم القوانين التي تحكم صناعات البدائل الحيوية الدوائية بما يتماشى مع المعايير الأوروبية للصناعات الدوائية.

ونجد كذلك أن مناطق حرة في المملكة مثل "مدينة الملك عبدالله الاقتصادية" نجحت بالفعل في استقطاب شركات صناعات دوائية عملاقة في مجالات البحث والتطوير مثل "سانوفي" و"فايزر" لتأسيس منشآت صناعية بها، كما شهدت المملكة دخول شركات عالمية أخرى في شراكات مع شركاء سعوديين لتصنيع المستحضرات الدوائية واللقاحات العلاجية. ولكن ومع ذلك، مازال أمام المملكة مسيرة طويلة لقطعها فيما يتعلق بالسياسات المفصلة في هذا الصدد.

ويمكن أن تشكل الأبحاث المتصلة بالتجارب السريرية نافذةً للمملكة لجذب استثمارات شركات الصناعات الدوائية الحيوية، حيث تنظر مثل هذه الشركات عندما تقرر اختيار مواقع إجراء تجاربها السريرية لعوامل مثل توافر المستشفيات والمنشآت البحثية، ومرونة الأنظمة الرقابية، والتكاليف المحلية.

وكشفت نتائج بحث جديد صادر عن شركة الاستشارات الاقتصادية "بوغاتش كونسيليوم"، أن المملكة العربية السعودية هي ضمن أكبر الاقتصادات العالمية التي أجرت العدد الأقل من التجارب السريرية على أساس نصيب الفرد، ما يشير لوجود تقصير فيما يتصل بالتدابير الرئيسة لإجراء مثل هذه التجارب.

ويشير التقرير إلى أن أحد أبرز العوامل المساهمة في تحقيق المملكة لهذا التصنيف المتأخر يعود لمستويات حماية الملكية الفكرية التي تقدمها للمبتكرين في قطاع التكنولوجيا الحيوية. فعلى سبيل المثال، لا يمكن في المملكة الحصول على براءات اختراع ضمن مجال واسع من الاختراعات مثل الطرق الحيوية لإنتاج النباتات أو المواد الحيوانية، ما يؤثر على مكانة أبحاث الصناعات الدوائية الحيوية. أضف إلى ذلك، أن بيئة تطبيق قوانين الملكية الفكرية السعودية يمكن أن تكون محبطة للمستثمرين. ووفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، فبالرغم من تحقيق حكومة المملكة لتقدم في تأسيس منظومة محاكم تجارية، إلا أنها تحتاج لوضع إطار عمل قانوني شامل وشفاف يضاهي المعايير العالمية فيما يتصل بتسوية النزاعات التجارية.

وعلى صعيد متصل، نجد أن سياسات التسعير ومشتريات الأدوية المحلية في المملكة تزعج المستثمرين. وحول ذلك علقت ليلى فيسي، نائب الرئيس للشؤون الدولية في منظمة الابتكار بالتكنولوجيا الحيوية بالقول، إن أكبر جمعية عالمية تجارية للتكنولوجيا الحيوية ترى أن المملكة نجحت في تحقيق خطواتٍ ملموسة للارتقاء بالملكية الفكرية والمعايير التنظيمية لصناعات البدائل الدوائية الحيوية.

كما عملت المملكة العربية السعودية على وضع رقابة على أسعار الأدوية، وهو الأمر الذي يمكن أن يضعف الواقع الاقتصادي للاستثمار في منشآت الصناعات الدوائية.

ولعل الأمر الملحوظ في المنطقة، هو قيام دول مثل الإمارات بالمبادرة لاقتناص الفرص المتاحة في قطاع التقنيات الحيوية، وذلك عبر تأسيس مجمع دبي للتقنيات الحيوية والأبحاث "دبيوتك"، والذي يضم 230 شريكاً تجارياً بما يشمل شركات عالمية بارزة مثل "فايزر" و"أمجن" و"بريستول – مايرز سكويب" و"ماكويت". كما أعادت الإمارات كذلك النظر في إجراءاتها التنظيمية المتبعة لمنح الموافقات الدوائية، وهو ما أسهم في تعزيز مكانتها التنافسية.

وبالمحصلة، يمكن القول إن على المملكة إذا ما أرادت اللحاق بالركب الاقتصادي المتسارع، العمل على توظيف "رؤية السعودية 2030" والبدء في التفكير الجاد حول تطوير السياسات، والبيئة التنظيمية والقانونية التي تمكنها من جذب المستثمرين في قطاع الصناعات الدوائية الحيوية، والعمالة المؤهلة وذات الخبرة، والمجالات المعرفية المتصلة بهذا القطاع.

ويمكن للسعودية أن تكون منافساً عالمياً في القطاع الابتكاري للصناعات الدوائية الحيوية، وهو طموح مشروع للمملكة ورؤية قابلة للتحقيق لا يمكن تحويلها لواقع حقيقي بشكلٍ تلقائي دون العمل على ذلك. ويجب أن ندرك أن وضع استراتيجية جديدة ليس بالأمر الهيّن، وهنا يجب على الحكومة السعودية كخطوة أولى المبادرة بالحوار بشكل أكبر مع قادة الشركات العالمية المعنية العاملة في القطاع الخاص، لتكوين صورة شاملة عن الأمور القابلة للتنفيذ وما يخالف ذلك. كما يجب أن نتذكر دوماً بأن الفرص لاتزال متاحة في قطاع الصناعات الدوائية الحيوية، والأمر متروك لصناع القرار السعوديين لإيجاد أفضل سبل استغلال هذه الفرص.

*مدير شبكة جينيف، وهي منظمة بحثية يقع مقرها في المملكة المتحدة تركز على شؤون التجارة الدولية والصحة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.