"الديون" .. والكفاءة المالية

عبد العزيز الغدير

نشر في: آخر تحديث:

الدَّين في ثقافتنا "هم" وهو كذلك بالنسبة للقروض الاستهلاكية للأفراد الذين يقترضون المال للحاجة، إذ إنهم يستهلكون مال الدين لقضاء حوائجهم، ثم عليهم أن يسددوه في ميعاده وإن لم يفعلوا فستترتب عليهم مشكلات في الدنيا وآثام في الآخرة، فالديان لا يموت ولذلك فالدين الاستهلاكي بصيغته المتعارف عليها بين الأفراد أو بين الأفراد والمؤسسات يعد "هما" يستدعي القلق ولذلك قيل في المثل الشعبي "كل ألم ولا ألم العين وكل هم ولا هم الدين".

في الاقتصاد الرأسمالي الأمر خلاف ذلك، فالدين أصبح مؤشرا من مؤشرات الكفاءة المالية بالنسبة للأفراد من خلال ما يسمى بالائتمان أصبحوا أكثر قدرة على شراء أساسيات الحياة كالمنازل والسيارات والأدوات الكهربائية دون الحاجة لجمع المبالغ اللازمة لشرائها من خلال توفير مبلغ شهري وهو أمر يصعب ويطول، حيث إنهم بضمان دخولهم الشهرية يستطيعون شراء ما يريدون بدفعة مقدمة بسيطة وتقسيط شهري قد يمتد لسنة كما هو الحال بالنسبة للأدوات الكهربائية مثلا أو ثلاث أو خمس سنوات كما هو الحال بالنسبة للسيارات مثلا أو لعشرين سنة كما هو الحال بالنسبة للمساكن، وبالتالي فإن الدين في هذه الحالة رفع من مستوى معيشة الفرد حال عمله وحصوله على دخل شهري ثابت أو متنام بمرور الزمن دون الحاجة إلى الانتظار لسنوات طويلة.

بل إن الدين في هذه الحالة مكن الفرد من رسملة أموال قد تضيع دون فائدة وإن دفعها لمدة طويلة كتأجير السيارة حيث تدفع أموال التأجير ولو امتدت لسنوات دون تملك السيارة وكذلك بالنسبة للسكن بالإيجار حيث يدفع الفرد إيجارات تمتد لعشر أو عشرين أو ثلاثين سنة دون أن يمتلك العين المؤجرة أو نسبة منها، وبالتالي فإنه في حالة الإيجار ولو لم يشعر الفرد بأنه مدين إلا أنه في الواقع يدفع أموالا تساوي أو تزيد عن الأموال التي يجب أن يسددها لدين الشراء دون أن يرسملها بمرور الوقت، وهذا يوضح أن الدين في هذه الحالة ليس "هما" بقدر ما هو "حل" يرفع من كفاءة استخدام أموال الأفراد.

يقول بعض الأفراد، إن شراء المسكن بالدين بمدة سداد تمتد لعشرين سنة تثقل كاهل المدين بخلاف التأجير وهو كلام صحيح في ظاهره ولكن عند التعمق واستخدام الآلة الحاسبة ومعدلات التضخم نجد أن الأمر خلاف ذلك، إذ يتضح أن الدين حل مثالي في هذه الحالة، حيث يتم تحويل الإيجارات الضائعة إلى غير رجعة إلى أقساط شهرية تتراكم بمرور الزمن لتكمل قيمة المسكن والفوائد المقررة، ولو أخذنا مثالا لذلك شقة بقيمة 500 ألف ريال بمقدم 75 ألف ريال (15 في المائة مقدما) وفوائد بذات المبلغ المتبقي لمدة عشرين سنة لأصبح إجمالي الدين 850 ألف ريال وقسمنا هذا المبلغ على عدد الأشهر (12x 20=240) لأصبح القسط الشهري نحو 3500 ريال وهو مبلغ قريب جدا مما يدفعه كثير كإيجارات شهرية لذات الشقة دون أن يمتلكوها أو نسبة منها بمرور الزمن، بل كما هو معروف فالاحتمال الأكبر زيادة الإيجارات لزيادة أسعار العقارات بسبب معدلات التضخم السنوية.

إذن ثقافة الدين بالنسبة للأفراد لشراء الحاجات وخصوصا الضرورية أصبحت ثقافة ائتمان وعليهم فهمها بعمق للاستفادة منها لرفع كفاءة دخولهم المالية الشهرية لتتحول بعض الأصول التي يشترونها لمدخرات كما هو الحال بالنسبة للمساكن المشتراة بالائتمان طويل المدى، حيث تعد المساكن أدوات ادخار في السنوات العشرين الأولى من العمل لتتحول فيما بعد لأداة استثمار عندما يصبح المسكن أكبر من الحاجة ويتم بيعه أو تأجيره للغير والانتقال لمسكن أصغر أقل تكلفة، وما هو جميل في ثقافة الائتمان أن هياكلها ومؤسساتها قد اكتملت في بلادنا وأصبح لدينا شركة للمعلومات الائتمانية التي تعزز أمان الائتمان حيث يكون المقترضون أشد حرصا على السداد أولا بأول ولا يقترضوا أكثر من طاقتهم حتى لا يقعوا في القوائم السوداء كما يطلق عليها عرفا.

أما بالنسبة للشركات فأذكر أن أحد ملاك الشركات ممن كان يفخر بعدم وجود ديون على شركته أنه فوجئ عندما خفضت إحدى شركات التقييم المالي درجة كفاءة شركته المالية لعدم توظيف الديون لزيادة النمو والأرباح وتضييع فرصة أرباح سانحة ترفع من العائد على رأس المال لمصلحة الملاك والمساهمين، ويضيف أنهم شرحوا له النسب المعيارية للديون لكل قطاع اقتصادي وفقا للمعطيات الاقتصادية الحالية والمستقبلية.

ما قاله هذا المستثمر يعرفه كل اقتصادي ومالي، فالديون إحدى أهم أدوات زيادة معدلات النمو للشركات وكل من يستهدف نموا أو نموا متسارعا يلجأ لما يسمى بفلسفة "الهندسة المالية" التي تسهم في توفير الأموال اللازمة بالتزامن مع تخفيض نسبة المخاطر على الشركة بتوزيع المخاطر على أكثر من جهة، حيث إن كثيرا من الديون تعد قنوات استثمارية للكثير من أصحاب رؤوس الأموال والكتل المالية الذين يوافقون على تحمل نسبة من المخاطر تتناسب والعوائد المتوقعة من الأدوات المستخدمة للتمويل ومن ذلك السندات والصناديق الاستثمارية التي تعد من أكبر وأهم أدوات التمويل الاستثمارية.

نتيجة لأهمية التمويل/ الديون في تنمية الاقتصاد وقطاعاته ورفع مستوى معيشة الأفراد وكفاءة أموالهم اهتمت الدول بتنظيم قطاعات التمويل بجميع أنواعها وطورتها وأصدرت اللوائح التي تحمي جميع أطرافها، كما قامت بإنشاء منظومات تمويل لدعم القطاعات الاقتصادية وتحفيز الشركات والأفراد للاستثمار والتوسع في الإنتاج لرفع إجمالي الناتج المحلي والصادرات وتوليد الفرص الوظيفية وتوسيع قنوات استثمار أصحاب المدخرات.

ختاما أقول بات على كل فرد أو مستثمر أن يلغي مقولة "الدين هم" ليتحول إلى مقولة "الدين فرصة" وأتطلع أن تسهم وزارة المالية ومؤسسة النقد وهيئة السوق المالية والأجهزة الحكومية المعنية بنشر وتعزيز ثقافة التمويل/ الديون ليتم استثمارها بالصورة المثلى لكفاءة مالية مثلى للأفراد والشركات.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.