تصفير الفائدة على اليورو... ما له وما عليه

عامر ذياب التميمي

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

عمد المصرف المركزي الأوروبي أخيراً إلى خفض أسعار الفوائد المصرفية إلى قرب الصفر أو دونه بهدف حفز النشاط الاقتصادي ودفع أسعار السلع والخدمات إلى الارتفاع بعدما عانت بلدان أوروبية كثيرة انكماشاً خلال السنوات الأخيرة. وأثارت معدلات التضخم المتراجعة في منطقة اليورو وعدد آخر من بلدان الاتحاد الأوروبي قلقاً لدى العديد من المسؤولين في بلدان المنطقة بعدما أصيبت الأعمال بركود غير مسبوق دفع كثيراً من المنشآت إلى الاستغناء عن العديد من العاملين لديها. كذلك تهاوت ثقة المستهلكين بما قلص مشترياتهم وإنفاقهم.

معلوم أن سعر الحسم متدن منذ زمن طويل نسبياً من دون أن تتبدل المعطيات الاقتصادية وتنتعش فرص تحسن أوضاع مختلف القطاعات الحيوية. بيد أن محاولات السلطات النقدية لا بد من أن تستمر من أجل إعادة الحيوية إلى اقتصادات هذه البلدان في أوروبا. وقد لا تتمكن السلطات الاقتصادية من انتهاج سياسات أخرى مثل تفعيل دور السياسات المالية لإنعاش العمل الاقتصادي في وقت تواجه الحكومات مشكلات الديون السيادية وارتفاع مستويات العجز في الموازنة في العديد من البلدان الأوروبية.

ويواجه الاتحاد الأوروبي تحدياً أساسياً لا بد من أن ينعكس على مستقبله وخيارات تطوير العلاقات بين بلدانه وإمكانات تحقيق مزيد من التكامل الاقتصادي. وجاءت نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة لتؤكد نجاح القوى المناوئة لفلسفة الاتحاد ومنظومة اليورو، وإن كانت تلك النتائج لا تشكل خطراً ماحقاً على سيرورة الاتحاد. لكن نجاح اليمين في عدد من بلدان الاتحاد يجب أن يؤخذ في الاعتبار ويتيح للمسؤولين في مختلف الأطر العمل على تذليل المشكلات الاقتصادية وتوفير فرص معالجة أزمة الركود الراهنة.

وتشكل أزمة ارتفاع معدلات البطالة في عدد من البلدان المنضوية في الاتحاد الأوروبي أهم التحديات التي لا بد من معالجتها من خلال تحسين بيئة الأعمال وتوفير التمويلات المناسبة وبتكاليف معقولة لدعم التوسع في مختلف القطاعات. وهكذا جاءت قرارات خفض أسعار الفوائد المصرفية لتأكيد أهمية تمكين مؤسسات الأعمال من الاستمرار في نشاطاتها والتوسع في أعمالها.

وأثارت بيانات اقتصادية عديدة، مثل تراجع مبيعات السيارات وخفض مؤسسات أسعار السلع والخدمات أو الاستغناء عن أعداد مهمة من العاملين لديها، قلقاً لدى القيادات السياسية والإدارات الاقتصادية. قد لا تكون أوضاع البلدان الأوروبية متشابهة في هذه الأزمة إذ يمكن أن تكون ألمانيا أفضل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا لكن في نهاية الأمر فإن كل البلدان ستدفع تكاليف الأزمة، كما حدث عند معالجة الديون الحكومية.

ما هدف المصرف المركزي الأوروبي من خفض سعر الحسم إلى هذا المستوى المتدني والذي قد يعني فائدة سلبية، بمعنى أن يدفع المودعون لدى المصرف المركزي فائدة على ودائعهم، وبذلك ينتهي الأمر بجعل المودعين لدى المصارف التجارية بدفع فائدة عكسية على إيداعاتهم؟ ربما تهدف هذه السياسة إلى حفز المصارف على تمويل المشاريع والأعمال بأسعار فوائد متدنية جداً ودفع أصحاب الأموال إلى توظيفها في الأعمال بدلاً من إيداعها لدى المصارف.

وكان المصرف المركزي الأوروبي استهدف مستوى للتضخم بحدود اثنين في المئة من أجل السيطرة على مستويات البطالة وتحسين إمكانات النمو الاقتصادي. لكن معدلات التضخم انخفضت إلى ما دون ذلك المستوى وظلت معدلات البطالة مرتفعة، وظل النمو متواضعاً. وخلال الربع الأول من هذا العام بلغ معدل نمو الناتج الإجمالي في البلدان الـ 28 للاتحاد 0.3 في المئة. أما داخل منطقة اليورو فقدر النمو بمستوى أقل إذ كان 0.2 في المئة. لذلك ستكون تقديرات النمو هذا العام دون المستوى الملائم لرفع درجة التضخم، وبات ضرورياً استخدام آليات السياسة النقدية للحفز.

التساؤل المطروح هو هل ستكون هذه السياسات النقدية الهادفة إلى الحفز مجدية؟ ثم متى تتحقق أهدافها؟ تمر اليابان بتجربة الركود الهيكلي منذ 1990 ولا تزال تعاني النمو المتدني والتضخم السلبي وارتفاع أعداد العاطلين عن العمل، وهي ظاهرة غير تقليدية في اليابان، وهي وإن انحسرت، فإن اليابان لا تزال بعيدة عن الانتعاش حتى الآن على رغم اتباع سياسات الحفز المالي والنقدي. لذلك هل يمكن أن نتوقع أن تواجه البلدان الأوروبية الركود لسنوات طويلة كما حدث في اليابان أم أن الأمور مختلفة في القارة العجوز؟

هناك عوامل متشابهة بين الحالتين الأوروبية واليابانية إذ تتجه المتغيرات الديموغرافية إلى ارتفاع أعداد كبار السن وانخفاض مستويات الاستهلاك، كما أن الصناعات تواجه منافسات من صناعات في بلدان أخرى مثل كوريا الجنوبية والبرازيل تتمتع بكفاءة وتكاليف أقل. وتعتمد اقتصادات كثيرة في أوروبا على الصادرات السلعية ويأمل المسؤولون فيها بتحسن أوضاع أسواقها التصديرية.

قد يكون الاقتصاد في الولايات المتحدة هو الحل الأساسي بعدما صدرت بيانات مطمئنة إذ زادت أعداد الوظائف بـ 217 ألف وظيفة الشهر الماضي، وتشير البيانات إلى ارتفاع ثقة المستهلكين وكذلك مستوى المبيعات. أما معدل النمو خلال هذا العام فربما يصل إلى أعلى من 2 في المئة. ربما، إذاً، تتيح هذه الأوضاع الاقتصادية المتحسنة انتعاش آمال الأوروبيين بخروجهم من نفق الركود الهيكلي. ويأمل الأوروبيون بزيادة صادراتهم إلى الولايات المتحدة بعد انتعاش اقتصادها.

• نقلاً عن الحياة

http://alhayat.com/Opinion/Writers/2917146

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.