«خسائر» عدم الاستثمار

وليد عرب هاشم

نشر في: آخر تحديث:

أي استثمار له مخاطر، فهناك دائما احتمال للخسارة، وهذا متوقع، فلا يوجد استثمار يعطي عائدا مضمونا 100 %، والذي يدعي غير ذلك هو من أمثال أصدقائنا من نيجيريا والذين مقابل معلومات قليلة ومبالغ ضئيلة يضمنون لنا الملايين، وهؤلاء وغيرهم من الذين (يضمنون) العوائد هم في الواقع مصائد يجب ان نحذر منها، وندعو ان لا نقع فيها. اما غير ذلك فلكل استثمار هناك مخاطر، وحجم هذه المخاطر تزيد أو تقل حسب نوع الاستثمار وعوائده، فالذي يضع ماله في حساب لدى مؤسسة مالية قوية وعريقة تكون مخاطره ضئيلة جدا، ولكن في المقابل سيكون عائده أيضا ضئيلا، أما الذي يسعى لمضاعفة رأسماله في الرهان على أسعار العملات العالمية فإنه قد يضاعف ماله، ولكنه أيضا قد يفيق على خسارته بالكامل، وما بين هذين الطرفين تقع استثمارات عديدة ومتنوعة وعوائد ومخاطر مختلفة، وجميعها ممكن أن تربح أو أن تخسر، فهذا الشيء الطبيعي والمتوقع، فكما ذكرنا هناك مخاطرة لأي استثمار واحتمال للخسارة، ولكن كيف تكون هناك خسارة أو مخاطرة لو لم يتم الاستثمار ؟

في الحقيقة هناك (خسارتان) وليس (خسارة) واحدة لعدم الاستثمار، فالذي يكتنز أو يجمد ماله ويحرسه طوال حياته دون أي استثمار ليحافظ عليه سيجد في النهاية أنه فقد أو خسر أكثر من هذا المال وذلك لسببين، فأولا عدم الاستثمار يعني ضياع فرصة الاستثمار والعائد الذي كان محتملا أن يعود معه، ولنأخذ كمثال استثمارا ذا عائد جيد ولنقل لكي نبسط الحساب إنه عائد بعشرة في المئة سنويا، فهذا العائد يعني أن استثمارا بمقدار عشرة آلاف ريال عند تخرجك من الجامعة سيتحول إلى نحو نصف مليون ريال عند تقاعدك، وبالتالي الذي اختار الاحتفاظ بالعشرة الآلاف ريال وعدم وضعها في هذا الاستثمار فإنه قد (أضاع) مقابل هذه العشرة الآلاف ريال إمكانية الحصول على أكثر من أربعمائة وخمسين ألف ريال، والذي لا يصدق أنه بإمكان عشرة آلاف ريال أن تتحول إلى نصف مليون ولو بعد أربعين سنة فإني أدعوه لسؤال أي شخص اشترى تقريبا أي أرض في منطقة شمال جدة ليعرف ما الذي حدث لقيمة استثماره، ومع ذلك فلا داعي لافتراض مثل هذا العائد ما دام أنه قد يصعب تقبله من بعضنا، ولنأخذ عائدا في حدود واحد ونصف في المئة سنويا، فهذا العائد الضئيل كاف لتحويل عشرة آلاف ريال إلى ضعفها خلال نحو خمسة وأربعين عاما، وبالتالي فإن الذي يحتفظ بماله طول حياته لكي «يحافظ» عليه بعيدا عن مخاطر الاستثمار فإنه في الحقيقة أضاع ما يوازي هذا المال أو أكثر بكثير، بمعنى أنه (خسر) ما يوازي ماله أو أكثر، أما الخسارة الثانية لعدم الاستثمار فإنها ناتجة من أن العشرة الآلاف ريال لم تعد تساوي إلا جزءا بسيطا مما كانت تساوي قبل أربعين عاما، فارتفاع الأسعار أو التضخم لا يعني سوى فقدان النقود لقيمتها أو لقدرتها على الشراء والحصول على السلع، ولا داعي لأن يكون الواحد في عمرنا أو أكبر، أطال الله في عمر الجميع، ويتذكر ماذا كانت تساوي عشرة آلاف ريال قبل أربعين عاما، فأي منا يعلم ما كانت تساوي قبل عام أو أعوام قليلة وكيف ارتفعت وترتفع الأسعار سنويا، مما يعني أن النقود التي نحتفظ بها تصبح أقل وأقل قيمة.

ولذلك فإن كانت هناك خسارة محتملة لأي استثمار، فإن لعدم الاستثمار وتجميد الأموال خسارتين، تكمن الأولى في فقدان الحصول على عوائد من الاستثمار، وتأتي الثانية من فقدان قيمة المال المجمد، ولذلك فإن الاستثمار أفضل، ولكن مع الدراسة والحرص على المال ووضعه في الاستثمار المناسب والابتعاد عن مصائد الكسب السريع.

*نقلاً عن صحيفة "عكاظ" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.