وزارة العمل ونظام نطاقات والمشروعات الصغيرة

علي البلوي

علي البلوي

نشر في: آخر تحديث:

جميع الوزارات الخدمية دائمًا محل نقد، وقليلًا محل إنصاف وإشادة بجهودها، فمن وزارة التربية والتعليم، إلى وزارة الصحة، ووزارة العمل، فالنقد حالة دائمة، ولهذا فإن هذه الوزارات إن حصلت على شهادة إنصاف لمرة واحدة، فهذا بالنسبة لها يفي بالغرض، فهي كما يقول المثل: (مأكول مذموم)، ومع ذلك وفي الجلسات الخاصة ينصف السعوديون هذه الوزارات، وبخاصة «أم الوزارات» وزارة الداخلية التي تقوم بجهود قد لا يعرف البعض قيمتها وأهميتها؛ ولذلك فإن خطأً هنا أو هناك لهذه الوزارات قد يتم تضخيمه وتكبيره رغم محدوديته إلى جانب الإنجازات العديدة، وعمومًا فإن الوزارات التي تخطئ هي التي تعمل دائمًا.

الحلول الإستراتيجية هي أن تكون هناك نظرة جديدة للاقتصاد الكلي والقوميجهود وزارة العمل في تصحيح سوق العمل، إيجابية، وتلقى احترامًا من قبل القوة الحية في المجتمع السعودي، وهي القوة التي ترى الأمور بعقلانية، ومستقبلية، وترى بأننا توسعنا سابقًا في الاستقدام، على قاعدة محدودة، كأن يستقدم فرد ما لايقل عن 150عاملًا، وبعضهم أكثر من ذلك، ولا يملك الأهلية على تشغيلهم، وليس لديه مؤسسة تستطيع استيعابهم، ولهذا يطلقون للعمل في السوق مقابل عائد شهري، ولكن وبعد تضخم عدد العاملين المخالفين، فقد قلص ذلك من حجم المنافسة لدى السعوديين، وساهموا في تدني مستويات الأجور، وأصبحت برامج الدعم البديلة رافعة للبطالة، وليست حلًا إستراتيجيًا أو دائما.

الحلول الإستراتيجية هي أن تكون هناك نظرة جديدة للاقتصاد الكلي، والقومي السعودي، وأن ترتبط هذه الحلول بخطط وآفاق إستراتيجية، في ظل تراكمات لمخرجات التعليم، وهذه التراكمات فيها جانب نوعي، وقدرات إيجابية يمكن الاستثمار فيها، إضافة إلى أن هذه الحلول والرؤى الإستراتيجية يجب ألا تكون مرتبطة بالتخطيط الاقتصادي الإستراتيجي، والمستقبلي، لبلد يتضاعف عدد خريجيه، وتتضاعف فيه البطالة، ويتضاعف فيه التضخم يومًا بعد يوم.

حل هذه المشكلات إستراتيجيًا يعني البحث عن آفاق جديدة، واقتصادات جديدة، وحديثة، ومدن اقتصادية، وتدريب وتأهيل، والتخلص من ثقافة العيب التي بدأت تتلاشى، وضبط الاستهلاك وترشيده باتجاه الادخار، والتراكم المالي والتدوير الرأسمالي، وتحرير الاقتصاد الاستثماري، بدلا من المعوقات الكثيرة التي تقف في طريقه، لدرجة يعد قانون الاستثمار في المملكة وبحسب مستثمرين سعوديين من أغرب القوانين، إذ يرونه منفرًا ،لا بل إن العديد من المؤسسات والشركات بدأت رحلة البحث عن البديل الخليجي.

ولعل سوق التجزئة من أهم الأسواق التي تعزز الاستقرار الاجتماعي، وهي نافذة السعوديين للاستثمار محدود القيمة، ومحدود المخاطر، وقد وجد بعض السعوديين في حملة التصحيح الأخيرة فرصة للبدء والاستثمار، لكن هذه الرغبة وهذه الميزة، يقتلها نظام نطاقات على ما فيه من إيجابيات، فالبعض استغل فرصة الحملة الأمنية ليشتري محلات قائمة، بسبب ندرة العمالة، وتدني الأسعار، وبعضهم استأجر باسعار مخفضة، وبعضهم أنشأ استثمارات جديدة، لكن الإشكالية كانت في كيفية نقل كفالات العمالة المدربة المؤهلة التي استطاع الحصول عليها، بعد أن أقفلت مؤسسات عدة أبوابها، ونظرا لأهمية العامل الماهر اضطر أن يدفع للعمال مكافآت لحين نقل كفالاتهم قانونا، ولكن كان نطاقات عثرة في الطريق، بسبب البطء الشديد، وأحيانا البيروقراطي كما يرى البعض، والمؤسف أن كثيرا منهم فقد العمالة، وأغلق أبواب استثماراته الجديدة، ومنهم من قام ببيعها بخسارة، لأن النطاق لم يرتفع رغم أن جميع أموره قانونية ونظامية.

لوزارة العمل رؤيتها، وهي مشكورة على ماتقوم به، لكن كل ما ترجوه الشركات والمؤسسات أن تخفف الإجراءات، وتختصر كثيرا، وأن تصبح مراجعة الوزارة لأمور إستراتيجية، وليست لأجل حذف اسم من على (السيستم) لأن هذه الأمور يجب تفويضها للبلديات أو مكاتب العمل في الأحياء، ونعتقد أن التيسير على المواطنين هو هدف وزارة العمل، والارتقاء بسوق العمل ايضا، وتصحيح الأوضاع لسنوات مضت لا بد وأن تواجهه صعوبات،لكن الأمور بدأت تتضح وتستقر، وستكون نقطة مفصلية في مستقبل طالبي العمل، والشركات الوطنية.

ونتساءل كغيرنا، لماذا مثلًا لا تمنح المشروعات الجديدة فترة سماح لا تزيد عن ثلاثة اشهر؟ يسمح لها بالعمل،واستكمال الشروط من السجل التجاري والتأمينات، ورخص البلدية، ومكتب العمل، وبعد الاشهر الثلاثة، يطبق عليها نظام نطاقات.

ولعل الكثير يؤكد بأن أتمتة الإجراءات، تعني تسريعها، وتعني القضاء على البيروقراطية، والفساد الاداري والمالي، وتضبط بذلك سلطة (التعقيب)كما أن الربط الإلكتروني الشامل، وفي إطار نطاقات، يحصر قوة العمل السعودي والأجنبي، ويضع حدودا لها، ويصبح للعامل أو المقيم ملف شخصي فيه كل تاريخ العمل، وبذلك يمكن بهذه العملية معرفة القطاعات، وحجم العمالة فيها، ومدى احتياجها للسعوديين أو الأجانب، ويمكن توجيه الموارد البشرية باتجاهها مستقبلا، من حيث التعليم والتدريب، وأيضا من حيث إغلاق بعض المهن، واقتصارها على السعوديين، أو تضييق نطاق عمل الأجانب فيها، بما يفي الغرض والحاجة

ما جعلنا نكتب في هذا الجانب أن هناك شكاوى من وزارة العمل لدى بعض ممن استخرجوا مؤخرًا سجلات تجارية، وقد تكون شكواهم غير دقيقة، لكن النظر لأوضاعهم، ومحدودية إمكاناتهم، ومبادراتهم، يحتاج لفتة خاصة، كما أن الملفت للانتباه أن الصوت العقلاني، والذي ينظر للأمور بواقعية، يؤكد في الجلسات الخاصة على أهمية هذه الإجراءات، ويمتدحها، بينما هناك من يرون بأن ذلك يجب ألا يكون سببًا في خروج الاستثمارات، وهروبها، وأسباب ذلك ليست مرتبطة فقط بوزارة العمل، فمثلا بعض المؤسسات الطبية تشكو بعض القوانين الجديدة، ومستثمرون في هذا القطاع يتمنون استشارتهم لوضع المشرعين بعواقب وإيجابيات أي قرار على الاستثمار المحلي.

نعتقد أن هناك حلقة مفقودة تحتاج إلى تعزيز العلاقة والثقة بين القطاع العام الحكومي، والقطاع الخاص، وأن لا ينظر للقطاع الخاص، بأنه مجموعة من يرغبون بالاستفادة الكلية فقط، بينما هم يرون أن دورهم كقطاع خاص مهم وحيوي، ورافد رئيس للاقتصاد الوطني، والتشغيلي، وأن القطاع الخاص متكافل مع المؤسسات الحكومية، وأنه مساهم في الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

من المؤمل أن تمنح وزارة العمل موضوع من أقبلوا على سوق العمل من السعوديين الثقة بأنفسهم، وتشجيعهم، وتدعمهم أيضا، لأنها بذلك لا تعتني بأفراد، وإنما بمواطنين بدأوا بعملية إحلال وتوطين للمشروعات الصغيرة، بعدما كانت محتكرة في السابق لغيرهم، ومن المؤمل أيضا أن تمنح هذه المشروعات الناجحة قروضا من هيئات ومؤسسات إقراضية، لتعزيز وجودها، وتمكينها من استعادة سوق التجزئة والسيطرة على المؤسسات الصغيرة.

*نقلاً عن صحيفة "اليوم" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.