غياب المؤسس.. أهم تحدٍ يواجه الشركات العائلية

سعيد بن علي العضاضي

نشر في: آخر تحديث:

بينت في مقال الأسبوع الماضي ما المقصود بالشركات العائلية؟ وكيف يمكن تصنيفها حسب الوضع القانوني للشركات؟ ثم بينت أهم الفرص التي يمكن للشركات العائلية استغلالها وأهم التحديات التي تواجهها بشكل موجز.

وفي هذا المقال نريد أن نفصل في الأمر قليلا ونعرض بعمق أهم التحديات التي تواجه الشركات العائلية خصوصا في السعودية. لقد تبين من كثير من الندوات والمناقشات والأبحاث والدراسات في هذا الشأن أن أهم وأبرز التحديات التي تواجه الشركات العائلية هو غياب المؤسس، إما بالتنحي وإما بالوفاة وإما بالحجر عليه من قبل الورثة وهو ما زال على قيد الحياة. فغياب المؤسس يفقد الشركة العائلية صوابها وقد يغير وجهتها وقد تنهار في مهدها بالرغم من عوامل النجاح التي تحيط بها. وهذا يدل على أن الشركات العائلية تواجه مشكلة تخطيطية بحتة. فيبدو أن الشركات العائلية لا تمارس التخطيط كما يجب أو أنها لا تفرق بين أنواع الخطط فتخلط بين مصطلحات تخطيطية متقاربة ولكنها مختلفة للغاية مثل الاستراتيجية والأهداف والرسالة والرؤية وغيرها.

وقد يكون السبب أنه ليس للشركات العائلية رسالة تدور حولها وتلم شتاتها، فلو بذلت الشركات العائلية القليل من الوقت والجهد من أجل صياغة رسالة لها لاستطاعت أن تتغلب على معضلة غياب المؤسس، وقد يكون لها بالفعل رسالة ولكنها لم تقم باستيعابها كما يجب ولم تتجذر في بيئتها وتأخذ الوقت الكافي لتلقينها للأفراد والعاملين بالشركة حتى تأخذ شكل العقيدة فتستبدل في وقت مبكر رمز المؤسس بحب العقيدة. وحتى تتضح لنا هذه الفكرة دعونا نعود لمقال سابق بينا فيه كيف أن المنظمات بشكل عام ومنها الشركات العائلية تنهج طريقين عند تأسيسها فإما أن تبنى على أسطورة القائد الفذ وفي وضعنا هذا هو المؤسس وإما أن تؤسس على مبدأ المنظمة الرائدة.

هناك نظريتان متناقضتان وفي الوقت نفسه مكملتان لبعضهما بعضا وهما نظرية "المؤسسة الرائدة" وأسطورة "القائد الفذ". أسطورة الرجل العظيم أو "القائد الفذ" أحد الأفكار القيادية التقليدية التي انتشرت في بداية القرن التاسع عشر، وتقوم هذه الفكرة على بناء القائد لشخصيته وإهمال شخصية المنظمة ولهذا ستظل المنشأة قائمة ولديها القوة على التغيير والنمو طالما بقي القائد ولكنها ستتوقف وتنهار بسرعة فائقة عندما يرحل عنها بنقل أو ترقية أو وفاة. وقد تبنت شركة "زينث" هذه الفكرة عندما وصف موظفوها قائدهم "ماكدونالد" بالمفكر العنيد المتألق. وتتحاشى المنظمات بشكل عام وخصوصا العائلية التي تطمح إلى البقاء والاستمرارية هذا النوع من النظريات لأنه مرتبط برموز وليس بفكر.

وقد استبدلت أسطورة "القائد الفذ" بفكرة "المنشآت الرائدة" حيث يبنى القائد المنشأة وتكون لديها آلية البقاء والمقدرة على التطوير والتغيير الذاتي حتى لو رحل عنها مؤسسها، لأنه أنشئت بداخلها خاصية النمو الذاتي بدون المؤسس الحقيقي لها ومن أمثلة الشركات التي تبنت فكرة المنشأة الرائدة "موتورولا"، "ماريوت"، "بوينج"، "وسوني". وبناء خاصية النمو الذاتي للمنشآت ليس بالأمر السهل فهو يحتاج إلى إبداع وعبقرية، حيث يقوم القائد بتصميم نظام قادر على استقطاب الكفاءات المتميزة وقذف الرديء من القياديين والعاملين والمتعاملين وهذا يشبه إلى حد ما جسم الإنسان الذي يحتفظ بالجيد من الطعام والشراب ونحوه ويقذف بالرديء من الميكروبات والفيروسات. يقول سام ولتون مؤسس شركة وال مارت للتجزئة التي تتبنى هذا الفكر "كنت دائما أريد بناء أفضل منظمة للبيع بالتجزئة بقدر ما في وسعي" وها هي "وال مارت" ما زالت متألقة ومستمرة ومستقرة بالرغم من رحيل زعيمها سام ولتون عام 1992.

ونريد أن نخلص هنا ونقول، إن البناء من أجل البقاء هو الذي ولد لنا ما يسمى بالعمل المؤسسي وهو مزيج من دمج نظريتين متناقضتين (المؤسسة الرائدة والقائد الفذ) تعمل سويا بتناغم كما تعمل الثنائية الصينية.

دعونا نعود الآن إلى التحدي الرئيس الذي يواجه الشركات العائلية لنرى أين هي من العمل المؤسسي وفقا للعرض السابق. عند تحليلنا للفكر الإداري والقيادي للشركات العائلية في بلادنا وفقا لهذين المبدأين يظهر أن غالبيتها تتبنى الفكر القيادي العتيق المتمثل في "أسطورة الرجل الفريد" ذي الشخصية البراقة وهو في هذا الوضع المؤسس ويغيب عنها فكرة "المنشأة الرائدة". لذلك نراها تبنى أعمالها التشغيلية وأهدافها واستراتيجياتها إن وجدت على أساس وجود المؤسس فإذا رحل عنها توقفت عن الحركة والإنتاج وعندما يتولى دفة القيادة أحد أفراد العائلة يوجهها وجهة أخرى وقد يعود بها إلى نقطة "الصفر" في كثير من أنشطتها بحجة التطوير والتجديد، وأرى أن هذا هو السبب الجوهري لانهيار غالبية المنشآت العائلية مبكرا وعدم استمرارها لارتباطها بالمؤسس وليس بعقيدة تنظيمية تكفل بقاءها بعد رحيله. بطبيعة الحال يعد المؤسس - إذا كان قائدا مؤهلا- من سمات المنظمات الناجحة ولكن ليس لدرجة أن غيابه يفقد المنشأة صوابها فتثبت في مكانها أو تنحرف عن طريقها أو تموت في مهدها.

هذه وجهة نظري حيال ما يتم إثارته في هذا الشأن من أن غياب المؤسس يعد السبب الرئيس لانهيار الكثير من الشركات العائلية وهو وإن كان سببا جوهريا إلا أن هناك أسبابا أخرى تخطيطية وتنظيمية وتشغيلية نتمنى من المهتمين بهذا الشأن إلقاء الضوء عليها لأهمية الشركات العائلية في الاقتصاد الوطني.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.