معايير المحاسبة ومستقبلها في التمويل الإسلامي

عدنان أحمد يوسف

نشر في: آخر تحديث:

استضافت البحرين أخيراً مؤتمر العمل المصرفي والمالي الإسلامي الذي نظمته «هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية» (أيوفي)، بالتعاون مع البنك الدولي وبمشاركة نخبة من علماء الدين والمسؤولين الحكوميين وكبار المصرفيين والباحثين الذين سلطوا الضوء على مستقبل المعايير المحاسبية الإسلامية على خلفية التحديات الإقليمية والعالمية التي تواجه العمل المصرفي الإسلامي، خصوصاً معايير «بازل 3» وأثرها في المصارف الإسلامية.

وتوقف المشاركون خلال المؤتمر، أمام القضايا الرئيسية التي طرحها محافظ مصرف البحرين المركزي رشيد المعراج في كلمته، إذ ركز على ثلاث نقاط، هي المقاربة بين معايير المحاسبة الدولية وانعكاساتها على التمويل الإسلامي، وتجسيد أسس فقه المعاملات في الوثائق القانونية، والآثار المترتبة على تطبيق «بازل 3» على التمويل الإسلامي. واتفقوا مع ما ذهب إليه من أن معايير التقارير المالية الدولية شهدت تغيرات كثيرة في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية، إذ إن هذه المعايير لا تأخذ في الاعتبار الجوانب الخاصة بالعقود الإسلامية ومعالجاتها محاسبياً، لذلك ثمة حاجة إلى العمل في شكل جاد ومتميز من أجل تطوير مزيد من معايير المحاسبة وإعدادها عبر «أيوفي». ورأوا أن من الأجدى العمل في شكل استباقي بدلاً من العمل على أساس رد الفعل لتعزيز الجهود في إعداد معايير محاسبية جديدة وتطوير القائم منها. ومما لا شك فيه أن «أيوفي» قامت بعملٍ متميزٍ في الماضي، إلا أن وتيرة التطور العالمي تدفع إلى الدعوة إلى بذل مزيد من الجهد في سبيل تطوير المعايير المحاسبية من جانبها.

وتجب الإشارة هنا إلى أن البحرين قامت بدور محوري ورئيسي في احتضان الصيرفة الإسلامية، وهيأت المناخ الرقابي والتشريعي والفني من خلال جهود مضنية ومتواصلة لمصرف البحرين المركزي على مدار السنوات الـ25 الماضية، ما أثمر نجاح الصيرفة الإسلامية اليوم. ولولا هذا الاحتضان لما شهدنا اليوم المكانة التي تبلغها الصيرفة الإسلامية إسلامياً وعالمياً، إذ تدير موجودات تناهز 1.3 تريليون دولار. وتتراوح نسبة التمويل الإسلامي حالياً في بعض الأسواق الرائدة بين 20 و50 في المئة من إجمالي الأصول المصرفية وفق التقارير المعتمدة. أما لجهة الودائع فالحصة السوقية تزيد على ذلك، خصوصاً في أسواق الخليج وماليزيا وتركيا، وفي بعض هذه الأسواق تتجاوز 30 في المئة وفي أسواق أخرى تزيد على 50 في المئة.

وكان مصرف البحرين المركزي سباقاً في فرض المعايير الصادرة عن «أيوفي» في شكل إلزامي على المصارف الإسلامية في البحرين. لذلك، فالجهات الرقابية في الدول الإسلامية مدعوة إلى تطبيق معايير «أيوفي» في الأقاليم التابعة لها، خصوصاً أن تجربة البحرين في فرض هذه المعايير منذ أكثر من عقد من الزمن أثبتت فوائدها من الناحية الفنية والمعرفية، ناهيك عن إيجاد أرضية مشتركة لمقارنة البيانات المالية للمؤسسات المالية الإسلامية وتمكين الجهات المعنية الأخرى كلها من تجنب الفروق وتجاوز الصعوبات الخاصة بتقويم المركز المالي لمؤسسات الصيرفة الإسلامية، إضافة إلى تسهيل تطبيق الضرائب في الدول المعنية. لكن، يمكن القول إن نطاق تطبيق هذه المعايير لا يزال متواضعاً على مستوى المصارف والدول الإسلامية.

ومن أجل تحقيق هدف تعميم تطبيق معايير «أيوفي» على أكبر نطاق ممكن من الدول والمصارف، آن الأوان لتأسيس تكتل خاص (لوبي) من ممثلين عن المصارف الإسلامية و «أيوفي»، يضم نخبة من العلماء والخبراء يعمل على إيصال أهمية هذه المعايير لدى المصارف الإسلامية والمصارف المركزية وتبيانها وتنظيم عدد من النشاطات في الدول الإسلامية للترويج لأهمية هذه المعايير والنتائج الإيجابية الكبيرة المتحققة من تطبيقها في شكل إلزامي في البحرين، وإمكان تعميم هذه التجربة على بقية الدول بما يساهم في شكل فاعل في تمكين المصارف الإسلامية من مواجهة التحديات القائمة ومن بينها متطلبات «بازل 3».

*نقلاً عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.