عاجل

البث المباشر

هيكلة الوزارات لبناء حوكمة اقتصادية

في مقال الأسبوع الماضي تحدثت عن الرواتب في القطاع العام، وهي مشكلة عميقة، إذا تم تجاهلها فسوف تتحول إلى مشكلة اقتصادية فعلية وسيكون لها تأثيرات كبيرة في المستقبل ستكون بحجم التجاهل الذي نقوم به اليوم لمواجهة هذه المسألة وحلها. وفي تطرف كبير مني فإني أرى أن نبدأ الحل من الآن بإلغاء ودمج بعض الوزارات التي لم تعد تتناسب كليا مع المرحلة الاقتصادية والتحول المطلوب، وذلك بالنظر إلى مشروع الخصخصة الذي تبناه مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. ولكي أوضح وجهة نظري في هذه المشكلة القائمة فإن تضخم حجم القطاع العام "وهو قطاع غير إنتاجي" وكثرة الوزارات وأعمالها سيكون دائما على حساب حجم وعدد العمال المتاح في الاقتصاد الإنتاجي. وسبب تضخم القطاع العام، يعود إلى اعتمادنا على النفط ودفع أجور وحوافز أكبر من تلك التي يقدمها القطاع الخاص، (وذلك عند المستويات الوظيفية المتوسطة أو الأدنى)، وهو السبب ذاته الذي فرغ السوق من العمال السعوديين عند مستوى الحرف فأوجد فجوة تم تغطيتها بالعمال الأجانب، ودخول العمال الأجانب إلى المملكة ضخم حجم الاقتصاد والناتج المحلي بطريقة غير صحيحة في نظري "حيث لا يتم توطين هذه العمالة لتوطين إنتاجها"، ولما كبرت المشكلة تم الضغط على القطاع الخاص للمشاركة في امتصاص الفائض من العمال عن حاجة الحكومة فوقعنا في مشكلة تفاوت الأجور بين القطاعين. وبدلا من العودة لحل مشكلة تضخم القطاع العام والرواتب فيه، وجدت سوق وهمية للعمال السعوديين في القطاع الخاص تقابلها جهود صندوق الموارد البشرية، لتغطية فجوة الرواتب بدعم القطاع الخاص ليوجد طلبا على العمال السعوديين، وأقول سوقا وهمية لأن العمال المدعومين من صندوق الموارد البشرية الذين يعملون في القطاع الخاص هم عمال في الحكومة، فهي التي تدفع رواتبهم أو نصفها على وجه الحقيقة. لهذا فإن استمرار الطلب الفعال على العمال الناتج من الحكومة "وزارات أو صندوق موارد بشرية" ودفع رواتب لا تتناسب مع حجم الاقتصاد الفعلي هو الذي يتسبب في استمرار كل هذا التشويه. وإذا كانت الوزارات والهيئات المختلفة المحسوبة على الحكومة تتجه اليوم "باستخدام أساليب متلونة" لدفع رواتب ضخمة من أجل استقطاب الكفاءات في القطاع الخاص فإن ذلك يؤثر سلبيا وبشكل كبير، ويجب ألا نتخوف من فكرة إلغاء الوزارات. فقد امتلكنا الشجاعة في بداية مشروع الخصخصة قبل 15 عاما بإلغاء وزارة البرق والبريد والهاتف وتم إنشاء هيئة الاتصالات، ثم إلغاء وزارة الصناعة والكهرباء واستبدلناها بمؤسسات وهيئات عامة، وتم إنشاء هيئة السوق المالية، "لتأخذ بعض أعمال وزارة التجارة"، كما تم لنا اليوم إلغاء وزارة التعليم العالي وتتوافر لنا هيئة الاعتماد الأكاديمي بديلا عنها، إذًا لدينا تجربة ناجحة في إلغاء عدد من الوزارات التي كانت تكلف الحكومة الكثير من المصروفات دون أن ترتبط هذه المصروفات بحجم العمل وتحولنا إلى هيئات مستقلة لها ميزانية من إيراداتها التي تستحقها نتيجة الخدمات التي تقدمها للسوق التي تشرف عليها، وترتبط مصروفاتها بحجم إيراداتها وإنتاجها وتطور هذه الأسواق، فيمكن إذا تكرار هذه التجارب حتى نصل إلى دمج وإلغاء بعض الوزارات الحالية. فلدينا اليوم هيئات تشرف على أسواق مهنية قائمة مثل هيئة المحاسبين وهيئة المقيمين تحتاج إلى استقلال تام، وهناك الكثير من المهن الحرة التي يمكن أن تستقل بهيئات ومؤسسات إشرافية. وهناك هيئة المواصفات والمقاييس ومجلس المنافسة، وهيئة المدن الصناعية، لكن ما زلنا نحتاج إلى دعم استقلال هذه الهيئات، ولدينا هيئة توليد الوظائف، فعلى سبيل المثال يمكن دمج وزارة الخدمة المدنية بوزارة العمل في هيئة واحدة لتنظيم سوق العمل، وتطوير أعمال صندوق الموارد البشرية ليصبح هيئة مستقلة للعمال، ولكن يجب علينا الحرص، فبرغم النجاح الجزئي لتجربة الهيئات العامة إلا أنها لم تزل تفكر بطريقة الحكومة في بداية السبعينيات وتضخيم الرواتب، وهذه مشكلة يجب تداركها في الهيئات قبل استفحالها، لأنه يجب أن تكون الرواتب في القطاعات العامة الإشرافية غير المنتجة عند مستوى الطبقة المتوسطة، ويبقى القطاع الخاص هو الذي يمنح رواتب أعلى وغير تنافسية مع القطاع العام بحجم القيمة التي يقدمها رأس المال البشري لكل شركة أو مؤسسة في القطاع الخاص، وهذا موضوع لعله يكون مجالا لمقال آخر.

إذًا لدينا تجربة ممتازة في الحوكمة الاقتصادية يجب تطويرها، فلا مفر من إصلاح الحوكمة الاقتصادية في المملكة حتى نرفع من مستويات التنافسية في الاقتصاد ونحسن من التقييم الائتماني لنا، وأن نضمن مسار تنمية القطاع الخاص. فنحن بحاجة إلى التحول اليوم من قطاع عام وحكومة تدير وتحرك الاقتصاد إلى حكومة تشرف على الاقتصاد، ولا بد من أجل ذلك أن نربط حجم الحكومة والعمال في القطاع العام بحجم الاقتصاد والنمو فيه، فحاجتنا إلى أي هيئة أو وزارة يجب أن ترتبط بحجم السوق التي تشرف عليها، فإذا اضمحلت السوق يجب إيقاف أعمال الهيئة ودمجها مع هيئة أخرى، وبقاء الهيئة وموظفيها وإيراداتها ورواتبهم مرهون بمدى تشجيعهم للقطاع الخاص ليعمل وينتج ويبقى، فإذا اضمحل القطاع الخاص فلا تبرير ألبتة لوجود الهيئة وموظفيها. فبقاء الوزارات المدعومة من الميزانية التي تأتي إيراداتها من النفط جعل هذه الوزارات والهيئات والمؤسسات المرتبطة بها وموظفيها غير مبالين بتأثير قراراتها على القطاع الخاص ونموه وحجم العمل فيه، ذلك أنه لو تم إغلاق كل مؤسسات القطاع الخاص "جميعها" فلن تتأثر رواتب موظفي الوزارات المرتبطة بميزانية الحكومة التي تأتي إيراداتها من النفط. ولهذا نحب العمل في الوزارات ونخشى العمل في القطاع الخاص أو المبادرة للتجارة فيه.

* نقلا عن الاقتصادية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة