من نعاتب .. مجلس المنافسة أم لجنة الاستقدام؟

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

انتشرت في وسائل الإعلام أخبار مقلقة، بل مخجلة إذا أردنا الوصف الحقيقي لها، فمن المؤلم لنا أن تتم معاقبة سعوديين وترحيلهم في دولتين صغيرتين، لأنهم تسببوا في إربكاك سوق العمل لديها، وتسببوا في ارتفاع أسعار الاستقدام أضعافا مضاعفة، وتسببوا في ظهور سوق سوداء في تلك الدول، بممارسات سيئة تنتهك قواعد السوق الحرة. فهذه السفارة السعودية في فيتنام، اكتشفت وجود سماسرة سعوديين يتخذون من إحدى الشقق السكنية في العاصمة هانوي مقرا لهم، يعملون على جمع العمالة المنزلية الفيتنامية بتكلفة تصل إلى ألفي ريال للعاملة الواحدة، وإرسالها للعمل في المملكة بمبالغ كبيرة تصل إلى 25 ألف ريال، وهو ما يعقد أزمة العمالة المنزلية في المملكة التي تحكمت فيها شركات عملاقة لترهق المواطن المضطر بمبالغ باهظة في الشهر الواحد. وقد اتخذت السفارة "مشكورة" الإجراءات اللازمة حتى تتم إعادة هؤلاء التجار إلى الوطن، وترجع أوضاع السوق في فيتنام إلى طبيعتها "ولكن لم ترجعها إلى طبيعتها لدينا". وفي أوغندا، تم إيقاف تصدير العمالة من قبل الجانب الأوغندي وسحب جوازات بعض المواطنين السعوديين هناك، بعد اتهامهم بارتكاب مخالفات تصل إلى تهمة المتاجرة بالعمالة، والتلاعب بالأسعار بنسب كبيرة، وأحدثوا طفرة بسبب المزايدات، حتى وصلت رسوم إصدار الجواز الأوغندي إلى ألف دولار، في حين إنه في الحقيقة إصدار الجواز لا يتجاوز 150 دولارا.

إن التفسير الاقتصادي البسيط لما حدث في هذه الدول هو أن التضخم الذي نعانيه هنا في أسعار الاستقدام قد انتقل إلى هذه الدول، وأن التشويه في سوق الاستقدام في المملكة وسيطرة فئات محدودة قد تسبب في إربكاك أسواق دول أخرى عديدة "وسيستمر ذلك"، وأنه لا يمكن تصحيح مشكلة الاستقدام طالما السوق لدينا مشوهة إلى هذه الدرجة، ذلك أن المنافسة الواسعة العادلة هنا والإشراف الدقيق لن يسمح أبدأ بظهور كل هذا العبث الذي تورط فيه سماسرة سعوديون حتى ظهرت اتهامات خطيرة بالاتجار بالبشر. ولعل مثل هؤلاء السماسرة هم الذين أفسدوا سوق الاستقدام مع كل دول العالم الأخرى مثل إندونيسيا والفلبين والهند وغيرها، وأن هناك اتهامات بالاتجار بالبشر هناك، لكنها لم تصل إلى الإعلام لدينا. هذه هي حقيقة سوق الاستقدام في المملكة كما كشفتها دول أخرى، فبينما تحاول حكومة خادم الحرمين الشريفين في المملكة فتح منافذ جديدة للعمال وتخفيف احتقان سوق العمالة المنزلية، فإن تجار الاستقدام لدينا لم يتركوا أدنى فرصة لتعزيز احتكاراتهم وأرباحهم، وتشويه إنجازات الدولة في هذا الشأن، وأصبحنا متهمين بالاتجار بالبشر لأن أكثر إعلانات الصحف المبوبة هي عن خادمات للتنازل.

وبداية فإن قضية وجود سماسرة للاستقدام من المملكة تسببوا في ارتفاع الأسعار واختلال المنافسة في فيتنام وأوغندا هي من اختصاصات مجلس المنافسة الذي يهدف إلى حماية وتشجيع المنافسة العادلة ومكافحة الممارسات الاحتكارية المخلة بالمنافسة المشروعة. وهذه المخالفات من جانب تجار سعوديين في هذه الدول هدفت إلى رفع الأسعار على المستفيد النهائي في المملكة، فيجب على مجلس المنافسة ممارسة صلاحياته في مثل هذه الحالة ومعاقبة هؤلاء السماسرة ومن يقف وراءهم من شركات الاستقدام في المملكة. كما أن موضوع شركات الاستقدام بدأ يتحول إلى مأساة بسبب احتكار التجار هذه الشركات وأيضا بسبب ضعف المنافسة عندما تم إنشاء هذه الشركات العملاقة، وتجاوزت الأسعار سقف ثلاثة آلاف ريال، وحقوق المواطن غائبة.

لكن المسألة في نظري أعمق من مجرد سوق الاستقدام والعمالة المنزلية، هي مشكلة واسعة جدا في كل قطاع اقتصادي، وتظهر هنا وهناك، ولا أدل على ذلك من انخفاض أسعار السلع في العالم من حولنا، حتى انخفضت أسعار البترول إلى أكثر من 70 في المائة وانخفضت أسعار الشحن العالمية بنسبة أكثر من 88 في المائة وانخفضت أسعار كل شيء تقريبا حتى الذهب، ومع ذلك لم تتغير الأسعار لدينا إلا بنقاط ضعيفة خجولة. فهناك أدلة وقرائن كثيرة تشير إلى وجود اتفاقيات بين التجار لتوفير طلب وهمي أو إيجاد اختلالات معينة في العرض من أجل استهداف مستويات سعرية متفق عليها، ويبقى السؤال: أين يتفق التجار على كل هذا؟

لقد حذرت من قبل وما زلت أحذر من أن الغرف التجارية أصبحت أندية التجار للتجمع والاتفاق، وأن هناك لجانا عديدة في هذه الغرف تجتمع في غالب الوقت دون إذن من جهات مختصة ودون مراقبة المجتمع لها، وطالبت منذ سنوات أن تكون هذه اللجان مجرد لجان رقابية على سلوكيات التجار في قطاعهم ومناقشة تطورات القطاع في العالم ومدى حاجتهم إلى دعم السوق من قبل الحكومة، ويجب أن يتم ذلك تحت إشراف مجتمعي ذي صلاحية واسعة لمنع مثل التجمعات إن خرجت عن مسارها، ومعاقبة من يستغلها من التجار للاتفاق على المجتمع والأسواق، ويجب على هؤلاء النخبة من التجار تجنب الحديث عن الأسعار، كما يجب عليهم عدم تمثيل المجتمع في أي مكان أو التحدث باسمه، أو ممارسة مثل الوصاية عليه، أو نقل الاحتكارات إلى الأسواق العالمية. كأن يمنع الموردون في العالم من التعامل إلا مع هؤلاء النخبة. ورغم هذا التحذير الذي أطلقته منذ سنوات عدة فلم يتم تقليم أظافر لجان الغرف التجارية، وما شهدته أسواق الاستقدام وغيرها لخير شاهد على ذلك.

في اعتقادي أن موضوع الغرف التجارية ككل يجب أن يخرج الآن من تحت عباءة وزارة التجارة، وينقل هذا الملف كله إلى مجلس المنافسة، فالمجلس كما أشرت يهدف إلى حماية وتشجيع المنافسة العادلة ومكافحة الممارسات الاحتكارية المخلة بالمنافسة المشروعة. فلا بد إذا من أن يتمكن من مراقبة تجمعات التجار ومراقبة اتفاقياتهم، ولجانهم، ولا بد ألا يجتمع التجار لمناقشة قضايا القطاع إلا بإذن واضح صريح من قبل هذا المجلس، وأن يمنع المجلس وبشدة أي تجمع غير رسمي للتجار ولو في استراحات نهاية الأسبوع. وأن يراقب آثار تصرفاتهم حتى في الدول الموردة لذلك، وأن يباشر اختصاصاته في هذا الشأن.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.