عاجل

البث المباشر

الحرب على الاستهلاك الأعمى

كل الضجيج الذي ملأ وسائل التواصل الاجتماعي حول التعرفة الجديدة للمياه والقصص غير المنطقية التي ظهرت عن فواتير بعشرات الآلاف وانجراف مجتمع تويتر خلفها ليس إلا دليلا على أن الثقافة الاستهلاكية الريعية أصبحت تملك دفاعاتها الذاتية وأصبحت قادرة على محاولة التصدي لأي إجراء من شأنه أن يمهد للخروج من الريعية ويسعى لترشيد ثقافة الاستهلاك الأعمى.
الطموح العام لدى ثقافة الاستهلاك أن يبقى الوضع كما هو عليه، استهلاك أعمى للطاقة بكل أشكالها واستهلاك مفرط للمياه ولكل شيء، وواجب الحكومة أن تدعم ذلك وأن تحافظ عليه دون أن تحرك ساكنا.
في الواقع أن ضرورة إحداث تغيير في النمط الاستهلاكي وضرورة ترشيد التعامل الشعبي مع الطاقة ليست فقط من أبرز محاور التحول الوطني بل هي من لوازم البقاء والاستمرار والتنمية والأمن والاقتصاد، وبالتالي فهي أمر حتمي وليست مجرد اختيار أو إجراء مرتبط بتراجع أسعار النفط، إنها اللحظة التصحيحية التي وإن كانت مؤلمة وغريبة على سلوكنا وثقافتنا الاستهلاكية إلا أنها أمر لامفر منه من أجل الأمن والمستقبل والتنمية.
من يتخيل أن المملكة تحتل المرتبة السادسة في العالم بين أكثر البلدان استهلاكا للطاقة وأن معدل نمو الاستهلاك السنوي للطاقة بلغ 5% وأن حجم الاستهلاك اليومي للطاقة بمختلف أشكالها يصل إلى قرابة أربعة ملايين برميل نفط مكافئ يوميا.
هذه الأرقام مخيفة للغاية إلا أنها ليست مادة مناسبة للحديث إلى الشارع، تحتاج مزيدا من الوقت لتشرح ما معنى برميل النفط المكافئ مثلا وغيره من المصطلحات غير الجاذبة لأحد ليستمع إليك، هذا إجراء خاطئ في الغالب وتقع فيه كثير من الجهات الحكومية، هذه اللغة لا تساعد على التواصل أبدا ناهيك عن تأثيرها في سلوك المستهلك، أين يمكن إيجاد الحلول إذن؟ الحل يكمن في القرار والقرار فقط مع تدفق هائل ضروري للتوعية والتنبيه.
القناعة الكبرى التي يجب الانطلاق منها هي أن مجتمعات الاستهلاك الأعمى غير الرشيد مجتمعات تقتل نفسها بنفسها، وهو ما يعني أن دور مؤسسات الدولة يجب أن يكون واضحا وقويا لوقف ذلك القتل، خذ على سبيل المثال ذلك الهدر اليومي للأرواح والممتلكات على الطرق نتيجة الحوادث المرورية الناجمة عن نمط من أنماط الاستهلاك والاستخدام غير الرشيد للمركبة وللطريق وانظر في المقابل إلى الضجيج الاجتماعي الذي رافق وما زال يرافق تطبيق نظام ساهر لرصد المخالفات المرورية.
الملفت أيضا أن الضجيج الشعبي العام يجد من يتبناه إعلاميا وصحفيا وبحثا ممن يبحثون عن الجماهيرية والرواج الشعبي وهؤلاء أكثر خطورة وأكثر إضرارا بالناس، كم من المقالات والبرامج التي ظهر فيها أولئك (الأبطال) وهم يشنعون على نظام ساهر ويصفونه بنظام الجباية دون التفات للكوارث اليومية التي تحدث على الطرق.
القضية إذن تكمن في حماية المجتمع الاستهلاكي من نفسه ووضعه أمام الأخطار التي تهدد حياته إن استمر فيما هو عليه.
الكارثة الكبرى لدينا في المياه إنتاجا واستهلاكا لم تفلح معها حملات الترشيد والتوعية، بالطبع يجب أن تستمر تلك الحملات لكنها ليست كل شيء ولا يمكن التعويل عليها لتغيير الواقع، الواقع يتم تغييره عن طريق القرار وإن كان ذلك مربكا للثقافة الاستهلاكية ومستفزا لطبيعتها التي تعودت عليها، لكن كل التحولات الكبرى والمهمة احتاجت لقليل من الألم وكثير من الإصرار. لا يوجد أي استنزاف لدخل المواطن ولا توجد أية التزامات مالية جديدة مخيفة، كل ما يوجد هو ضرورة تعديل السلوك الاستهلاكي الأعمى ليحافظ المواطن على دخله، وبالتالي ليحافظ المجتمع والبلد على دخله ونموه أيضا. وغدا حين تبدأ ملامح هذه الثقافة الاستهلاكية في التغير شيئا فشيئا سوف نرى أن ما نظنه الآن قسوة إنما كان مرحلة يتدرب فيها المجتمع على الحفاظ على نفسه وعلى مستقبل أجياله القادمة.

* نقلا عن عكاظ

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات