التجارة المتجولة ليست عفوية وإنما صناعة

عبدالله بن عبدالمحسن الفرج

نشر في: آخر تحديث:

أعتقد أن ظاهرة الباعة المتجولين الذين يفرضون أنفسهم بقوة في هذا الشهر الفضيل هي ظاهرة تستحق النقاش. وذلك لعدة عوامل لعل أهمها أنها تعتبر نشاطاً اقتصادياً متواصلاً طوال العام وليس في رمضان وحده. وبالتالي فهي مثلها مثل أي نشاط اقتصادي لا بد وأن تتقاطع خطوط مصالحها مع مسارات المصالح الأخرى.

فمثلما نعلم فإن توسع تجارة الخضروات والفواكه على الطرقات يؤدي إلى ارتفاع مداخيل أصحابها وتحسن أوضاعهم المعيشية. وليس ذلك وحسب. فهؤلاء الباعة الصغار يروجون لبضائع يشترونها من تجار جملة شبه متجولين. غير أنه لا يستبعد أن يشتري هؤلاء الأخيرون بضائعهم من نفس الجهات التي تشتري منها الأسواق والتجار المسجلون في وزارة التجارة. ولكن مع الفرق أن تجار الجملة شبه المتجولين يحصلون على البضائع المتبقية بعد أن تشتري المحلات التجارية الرسمية ما تحتاج إليه. فبدل أن تترك الخضار والفواكه للتلف، بعد استكفاء الأسواق الرسمية، يتم بيعها على تجار الجملة غير الرسميين بأسعار مخفضة. ولذلك فإن الخضروات والفواكه الجوالة الرخيصة أقل جودة من تلك التي تباع في السوبر ماركت.

ولا يقتصر تقاطع الخطوط عند ذلك. فهناك التستر التجاري، وما أدراك ما التستر التجاري، الذي يجد البيئة الخصبة في التجارة المتجولة لتوسيع نشاطه. وهكذا نكون قد اقتربنا من اقتصاد الظل الذي تصل دورته الاقتصادية إلى مئات المليارات ويبلغ ناتجه المحلي الإجمالي إلى حجم اقتصاد العديد من بلدان الشرق الأوسط. فهذا الاقتصاد يستولي في المملكة، حسب بعض التقديرات، على 80% من قطاع التجزئة تاركاً للاقتصاد الحقيقي 20% فقط. ولذا فإن التجارة الجوالة لو لم تكن موجودة لصنعها المتسترون.

من ناحية أخرى فإن ما يعرضه تجار البسطات أمر حيوي لأصحاب الدخل المحدود. فالخضار والفواكه التي على قارعة الطريق تباع بنصف الأسعار التي في الأسواق تقريباً وربما أقل. ولذلك فإن هذه التجارة تصب في مصلحة متوسطي الدخل فما دون. الأمر الذي يعني التقاء مصالح هؤلاء مع مصالح من يستغلوا هذا النشاط ويستفيدون منه. أي التجار غير الرسميين. وهذا يستنفر التجار المسجلون الذين يدفعون رسوماً مقابل نشاطهم. فالتجارة المتجولة تسحب من تحت أقدامهم أكبر قطعة من الكعكة، أي 80%، وما يتبعها من أرباح طائلة. إذاً فنحن أمام مصفوفة يقف فيها أصحاب الدخل المحدود والتجار المتجولون مع بعض في مواجهة التجار الرسميين الذين طالما جندوا وسائل الاعلام لمحاربة خصومهم.

بقي إذاً الطرف الأخير في هذه المعادلة الصعبة وهو القطاع الحكومي. فهذا القطاع الذي يأخذ على نفسه حماية القانون وعكس توازن مصالح كافة فئات المجتمع يرى نفسه في حيرة. ولذا تارة يغض الطرف عن التجارة الجوالة حتى يستفيد منها أصحاب الدخل المحدود وتارة أخرى يشن حملات مطاردة ضدهم الأمر الذي يحظى برضا التجار الرسميين.

ولكن على ما يبدو لي فإنه بالإمكان دمج طرفي هذه المعادلة. خصوصاً وأن القطاع الحكومي يعارض التوجهات الاحتكارية في الاقتصاد. ولذلك فإن شرعنة التجارة الجوالة وتنظيم نشاطها من شأنه أن يرفع عنها وصاية المتسترين من جهة ويزيد من حدة المنافسة التي سوف تؤدي إلى خفض الأسعار المبالغ فيها من جهة أخرى.

* نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.