القضايا الاقتصادية السعودية الخمس .. «4» إصلاح سوق العمل

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

في خبر نشرته الصحف عن إنتاج أول سيارة لشركة شاحنات رينو Renault Trucks في السعودية من المصنع الموجود في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية. وقد نص الخبر على أنه قد تم تجميع أولى "شاحنات رينو" في السعودية من خلال التعاون البارز بين عدد من الفنيين والمهندسين المحترفين المتدربين لدى "رينو" وموظفي الإشراف على الجودة والخدمات اللوجيستية من بورج ــ أن ــ برس، وفريق العمل المحترف وعالي التدريب لدى الشركة العربية لصناعة السيارات والشاحنات المحدودة، "انتهى الخبر".

ومن أول وهلة فإن هذا خبر جيد، لولا الصورة التي صاحبت الخبر، التي لم يظهر فيها سعودي على حد ما توضح الصورة، فما هي مصلحتنا الحقيقية من إنتاج هذه السيارة إذا لم يكن جميع العمال في الشركة سعوديين أو على الأقل نسبة كبيرة منهم؟ وبما أننا نتحدث هذه الأيام عن دخول الشركات الأجنبية وها هي "رينو" تقدم نموذجا للنجاح، فإنه لا بد من إدراك أنه لا فائدة من دخول هذه الشركات ما لم تحقق أمرين معا أو أحدهما على الأقل، الأول أن تسهم بجدارة في توظيف العمال السعوديين، والثاني أن تسهم في زيادة المالية العامة للدولة عن طريق الضرائب أو حركة السلع. فإذا لم يتحقق شيء مما ذكر فلا فائدة البتة من دخول الشركات الأجنبية إلا مزيدا من الضغوط التنافسية على الصناعة المحلية.

لماذا تقلقني سوق العمل، لأن على العمال إنتاج الثروة والنقد من خلال صناعة وبيع السلع في المصانع أو من خلال الزراعة أو باقي سلسلة الإنتاج المعروفة، والأمر الثاني هو قدرة هؤلاء العمال على شراء هذا الإنتاج. إذا كان العمال ينتجون السلع ثم لا يستطيعون شراءها لضعف رواتبهم، فإن الشركات ستفشل وبالتالي إفلاسها وتسريح العمال وتفلس الدولة فلا ضرائب ولا جمارك من ثم انهيار شامل مع الكساد، إذا كان العمال يريدون شراء الإنتاج ولكنهم لا يقومون بإنتاجه بأنفسهم فإن المشكلة تصبح في كيفية توفير النقد للناس لشراء السلع، مثل هذه الدول عادة ما تكون كسولة وفاشلة إداريا وبالتالي فقيرة لعدم توافر النقد فلا أحد يبيع سلعته في سوق لا يوجد فيها مصرف. إذا فأي اقتصاد في حاجة إلى شعب ينتج الثروة ويبيعها ليجد نقدا يشتري به سلعا أخرى، هذا هو الاقتصاد السليم، إذا زادت البطالة أصبح الجميع في قلق، فهناك الكثير من الناس لا تعمل، وبالتالي ليس لديها نقد لتشتري السلع المتوافرة، كلما زادت البطالة زاد القلق من شبح الكساد والجوع.

في المملكة لدينا اقتصاد مركب بسبب التعقيد في سوق العمل، فالدولة تقوم بإنتاج النفط الخام، بأقل عدد من العمال، ثم تبيعه وتأخذ إيراداته توزعها على الموظفين في الدولة "ليس لهم علاقة بإنتاج النفط أو غيره من السلع" ويستطيعون بذلك شراء السلع، في المقابل هناك عمال أجانب يقومون بالإنتاج لكنهم لا يقومون بشراء السلع بل ما يحصلون عليه من نقد يتم تحويله فورا إلى بلادهم. إذا هناك شعب يستطيع أن يدفع ولكنه لا ينتج في العادة، وهناك عمال ينتجون لكنهم لا يشترون إنتاجهم في العادة، ذلك إنهم عند مستويات رواتبهم الحالية لا يستطيعون ذلك. هذه المشكلة تضعنا تحت رحمة استمرار قدرة رواتب الموظفين على الشراء واستمرار مستويات رواتب العمال عند المستوى الذي يجعلهم ينتجون ولا يشترون. إذا كنا نريد رفع مشاركة القطاع الخاص وجذب الشركات العالمية فلا بد من قلب هذه المعادلة تماما، حيث يصبح لدينا عمال ينتجون السلع "في مثل شركة رينو" ويستطيعون في الوقت نفسه شراءها. لكن هذا لن يكون بلا ثمن يجب دفعه من خلال إصلاح سوق العمل والمنافسة فيه ووضع تصنيف للحد الأدنى للرواتب بناء على وحدة العمل ولا علاقة للجنسية بالأمر، فهذا أقل راتب سواء كان العامل أجنبيا أو سعوديا، ويقاس ذلك بمستوى خط الفقر في المملكة.

التحدي أننا نريد رفع إسهام القطاع الخاص وتشجيع الشركات العالمية على دخول السوق، لكن الذي يشجع الشركات العالمية للانتقال بمصانعها ومواجهة التحديات في ذلك هو حلم تحقيق نمو متواصل في الأرباح وأعمال الشركة، وهذا لا يمكن أن يتحقق للشركات في ظل المنافسة العالمية إلا من خلال اكتشاف مناطق جديدة تقدم ميزة الرواتب المنخفضة للعمال. لهذا فمن الصعب أن يتحقق شرط جذب الاستثمارات وفي الوقت نفسه نعمل على تحسين مستويات رواتب العمال، إلا إذا ـــ وإذا فقط ـــ ارتفعت قدرة السوق السعودية على امتصاص الإنتاج، وهذا يحتاج إلى زيادة في تعداد الشعب وفي مستويات دخلهم وقدرتهم على الشراء، لهذا فإن إصلاح سوق العمل وتحسين رواتب العمال الأجانب وطريق معيشتهم في المملكة مع أسرهم وفرض رسوم على التحويلات الأجنبية للنقد بل الحد منها، سيوجد سوقا ضخمة جاذبة جدا للشركات العالمية للقطاع الخاص بشكل عام، وفي الوقت نفسه تحسنا كبيرا في معيشة الناس.

ولكن إذا استمر الوضع الراهن كما هو فإن قبول الشركات العالمية لدخول السوق السعودية سيأتي بسبب مباشر من مستويات العرض المختلفة في سوق العمل، فالشركات تختار حتما العمال الأقل أجرا عند المستوى نفسه من الكفاءة، وبهذا الشرط فإن العمال الأجانب الذين يتم استقدامهم للعمل في المملكة عادة ما يفوزون بهذه الوظائف التي استحدثها الاقتصاد. وبالتالي فإن جذب الشركات الأجنبية في ظل هذه الأوضاع التنافسية في سوق العمل سيكون خبرا جيدا جدا للدول التي تصدر العمالة للمملكة. هكذا تظهر سوق العمل كأكبر مشكلة تواجه الاقتصاد السعودي، وأعمق مشكلة، وهي سبب كل الاهتزازات في صورة الاقتصاد، سوق العمل مركبة تركيبا معقدا جدا، فهناك مستويات عديدة من العرض، وتقابلها مستويات أخرى من الطلب. العمال الأجانب يفوزون بالمنافسة لكنهم لا يقدمون دعما كبيرا لقدرة الاقتصاد على تجنب البطالة والكساد مهما زادت أعداد الشركات المنتجة للسلع ومصانعها. وفي غياب حماية العمال السعوديين من هذه المنافسة الأجنبية، فإن المحصلة النهائية هي زيادة الضغوط على الدولة وميزانيتها، ونقل الثروة من داخل البلاد إلى خارجها "سواء من العمال وأرباح الشركات"، أو تكدسها في يد فئة محدودة من كبار رجال الأعمال في الداخل.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.