عاجل

البث المباشر

كيف اكتشفت حكومة لبنان ثروة بـ4 مليارات دولار في 3 أيام؟

هكذا انخفض عجز موازنة لبنان "على الورق" من 7.4% إلى 0.6%

المصدر: دبي - عبادة اللدن

السادسة مساء في 18 أكتوبر 2019، كان العجز في مشروع موازنة لبنان للعام المقبل 4.37 مليار دولار، تعادل 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي.

بعد أقل من 72 ساعة، انخفض العجز إلى أقل من 400 مليون دولار، أي ما لا يزيد على 0.63%.

لم يكتشف لبنان حقلا نفطيا يوفر 4 مليارات دولار خلال هذه الفترة، لكن الحكومة اهتدت، تحت ضغط التظاهرات الشعبية، إلى موارد "مفترضة" للإيرادات، إضافة إلى تعهد بتقليص حاد للنفقات.

فأقرت على عجالة مشروع الموازنة بتعديلات جذرية على النسخة المقدمة إليها من وزارة المالية، نزعت عبرها جميع بنود الزيادات على الضرائب والرسوم التي أشعلت الاحتجاجات في الشارع.

فما هي الموارد الجديدة المكتشفة؟

الرقم الأكبر يأتي من خفض تكلفة خدمة الدين.

فالخزينة اللبنانية تواجه استحقاقات فوائد في العام 2020 وحده بقيمة 6.1 مليار دولار، 40% منها بالعملات الأجنبية (2.4 مليار دولار).

تقول الحكومة الآن إنها ستطلب من مصرف لبنان والبنوك المساهمة خفض خدمة الدين العام إلى النصف، أي توفير أكثر من 3 مليارات دولار خلال 2020، من دون أن توضح كيف سيتم ذلك.

وستدفع البنوك فاتورة أخرى من خلال ضريبة استثنائية لعام واحد تؤمن للخزينة 600 مليار ليرة، أي 400 مليون دولار. سيتم ذلك على الأرجح من خلال زيادة الضريبة على أرباح البنوك من 17% إلى 34%.

وبذلك يبلغ مجمل ما هو مطلوب من البنوك ومصرف لبنان المركزي أكثر من 3.4 مليار دولار.

موقف البنوك

الرقم يبدو ثقيلا جدا على البنوك، إذ إن مجموع أرباحها الصافية خلال العام الماضي بلغ 2.8 مليار دولار، ومن المتوقع أن يتراجع في 2019 إلى نحو 2.5 مليار دولار. وربما لهذا السبب تركت الحكومة مسألة توزيع العبء بينها وبين مصرف لبنان "عائمة"!

لكن مصرف لبنان هو الآخر ليس في حال أفضل، فميزانيته منهكة أصلا من عمليات الهندسة المالية التي اعتمدها على مدى السنوات الثلاث الماضية لجذب الدولارات بكلفة مرتفعة.

موضوع يهمك
?
قال رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري إنه تم الاتفاق على الإجراءات المطلوبة وعلى موازنة 2020 التي تخلو من أي ضرائب...

الحريري يكشف تفاصيل اتفاق مجلس الوزراء على "الورقة الإنقاذية" اقتصاد

كما أن احتياطياته بالعملات الأجنبية، البالغة 38.6 مليار دولار، تُستنزف بعجزٍ كبيرٍ في ميزان المدفوعات، وبتغطية فشل الحكومة في إصدار سندات دولية جديدة لتمويل استحقاقاتها.

ففي النصف الأول من العام الحالي سدد مصرف لبنان نيابة عن الحكومة استحقاق سندات أجنبية (يوروبوندز) مع فوائده بقيمة 2.1 مليار دولار، وقابل ذلك بقرض بلا فوائد على الحكومة بالقيمة نفسها، ما أدى إلى انخفاض احتياطياته بالعملات الصعبة.

وقد تلجأ الحكومة إلى مصرف لبنان مرة أخرى في نوفمبر، حين تواجه الحكومة استحقاقا بنحو 2.55 مليار دولار (يشمل أصل دين بقيمة 1.6 مليار دولار مع فوائده).

إذ تحضر وزارة المالية لإصدار سندات بالعملة الأجنبية (يوروبوندز) بقيمة ملياري دولار، لمواجهة الاستحقاق، وإذا لم تنجح في مسعاها فربما يتكرر سيناريو مايو الماضي، ويخسر مصرف لبنان رقما لا يستهان به من احتياطياته.

احتجاجات لبنان

المشكلة أن الاحتياطيات القابلة للاستخدام لدى مصرف لبنان مسألة فيها نظرٌ كثيرٌ من مؤسسات التصنيف. وجميعها تتفق على أنه أقل من الرقم الرسمي المعلن، ذلك أن هذا الأخير تقابله مطلوبات كبيرة بالعملات الأجنبية، لاسيما للبنوك التي تودع لديه نحو 65 مليار دولار، عدا إيداعاتها الأخرى بالليرة اللبنانية.

الإنفاق الاستثماري

مصدرٌ آخر لتقليص العجز يأتي من الخفض الحاد للإنفاق الاستثماري، والذي كان مقدرا في النسخة السابقة من الموازنة التي أعدتها وزارة المالية بنحو 1400 مليار ليرة، أي ما يعادل 930 مليون دولار، وتعويض ذلك بتحويل مشاريع البنية التحتية إلى القطاع الخاص، من خلال الـ BOT (البناء والتشغيل والتحويل)، أو الـ PPP (الشراكة بين القطاعين العام والخاص)، ومن خلال تنفيذ مشاريع أقرت في مؤتمر "سيدر" بقيمة 2.6 مليار دولار.

الإشكال هنا أن تنفيذ المشاريع باستثمارات خاصة يستهلك دورة مستندية طويلة ليس من الواقعي توقع انتهائها في أشهر قليلة، والأمر نفسه ينطبق على مشاريع "سيدر".

والإشكال الآخر أن مشروع الموازنة (بنسخته الأصلية) مبني على افتراض شديد التفاؤل للنمو الاقتصادي، إذ يتوقع أن يكون بنسبة 1.2% في 2020، ليصل حجم الناتج المحلي الإجمالي إلى 59.23 مليار دولار.

إلا أن مختلف التقارير الدولية لا تتوقع وصول النمو إلى هذا الرقم. فصندوق النقد الدولي يتوقع تراجع النمو إلى 0.2% هذا العام و0.3% العام المقبل. ويقدر حجم الناتج المحلي الإجمالي بـ 56.4 مليار دولار هذا العام و58.6 مليار دولار العام المقبل.

وهذا يعني أن العجز حتى لو انخفض إلى الرقم المستهدف، ستبقى نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي أعلى من توقعات الحكومة.

الكهرباء

في ملف الكهرباء، الافتراض الوارد في الأوراق الحكومية ليس له تفسير معقول.

فمشروع الموازنة يضع سقفا لتغطية عجز مؤسسة كهرباء لبنان عند 1500 مليار ليرة (مليار دولار)، في حين أن عجزها بلغ العام الماضي أكثر من 2600 مليار ليرة، أي نحو 1.8 مليار دولار. فكيف سيتم تخفيض العجز؟ هل عن طريق رفع التعرفة أم زيادة ساعات التقنين؟ الحكومة تجيب بالنفي على الاحتمالين!

وفوق ذلك، تضع الحكومة مواعيد في غاية الصعوبة لإجراء مناقصتين لإنشاء معملين للطاقة الكهربائية في شمال لبنان وجنوبه، بحيث توقع العقود بنهاية فبراير 2020، وتصبح ساعات التغذية كاملة في النصف الثاني من العام (عبر وحدات إنتاج مؤقتة).

وكذلك الأمر في ملف خصخصة شركات الاتصالات وبورصة بيروت وطيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان وغيرها. تبدو الحكومة متفائلة بقدرتها على تسريع الدورة المستندية وتذليل العقبات السياسية أكثر بكثير مما يشير سجلها.

قد يتعلق الأمر بتقديم ورقة تقنع المانحين الدوليين بتحرير قروضهم، أكثر مما يتعلق بإرضاء المتظاهرين.

إعلانات