تراجع النفط لا يبرّر خسائر أسهم الخليج

زياد الدباس

نشر في: آخر تحديث:

خـــلال الموجــــة الحالية لهبوط أسعار النفط، تعرضت سوقـا المـــال الإماراتيتان، خصوصاً سوق دبي التي يتركز فيها معظـم سيولة المضاربين، إلى خسائر جسيمة معظمها غير مبرر. وبلغت خسائر السوقين الأحد والإثنين مثلاً، 5.29 بليون درهم (1.44 بليون دولار)، إضافة إلى تعرض أسواق الخليج إلى خسائر متفاوتة، أدت إلى فقدانها معظم مكاسبها خلال هذا العام.

صحيح أن دول الخليج تتأثر بتراجع أسعار النفط لأن موازنات معظمها يعتمد بأكثر من 90 في المئة من إيراداتها على دخل النفط، لكنها تحتاط إلى تراجع الأسعار، فالسعودية وهي أكبر دولة منتجة ومصدرة للنفط في المنطقة حددت مستوى 69.3 دولار للبرميل عند احتساب موازنتها، بينما بلغ السعر 70 دولاراً في موازنة الإمارات. وأدى قرار «أوبك» في اجتماعها الوزاري الأخير يوم 27 تشرين الثاني (نوفمبر) الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية على رغم الفائض الكبير لمعروض النفط في الأسواق العالمية، إلى انخفاض كبير إضافي في أسعار النفط مع أن القرار كان متوقعاً ومع أن بورصات النفط تتعامل بعقود آجلة.

وبالغت سوقا الإمارات في رد الفعل تجاه انخفاض الأسعار، وأدى المضاربون دوراً كبيراً في هذا التراجع، فهم لم يلتفتوا إلى مؤشرات وحقائق، وفي مقدمها التدفقات النقدية والإيرادات القياسية التي حققتها الإمارات خلال هذا العام والأعوام الأربعة الماضية نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار النفط خلال هذه الفترة، ما انعكس في شكل واضح على نمو سيولتها المحلية ورفع حجم الودائع لدى مصارفها، إضافة إلى حجم القروض التي قدمتها هذه المصارف إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، ناهيك عن حجم احتياطات الدولة من العملات الأجنبية وارتفاع قيمة أصول صناديقها السيادية واستثماراتها ما عزز تصنيفاتها الائتمانية. يضاف إلى ذلك ارتفاع مساهمة القطاعات الاقتصادية غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي الإماراتي إلى 71 في المئة، فيما انخفضت مساهمة قطاع النفط إلى 29 في المئة نتيجة سياسة التنويع الاقتصادي التي تنتهجها الدولة منذ سنوات، فيما يتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي العام المقبل أكثر من أربعة في المئة.

يشار إلى أن الارتفاع الكبير لسعر صرف الدولار في مقابل العملات الأخرى خلال هذا العام عوض الدول المنتجة للنفط جزئياً عن تراجع سعر النفط، فيما تُعتبَر الوفرة والفوائض المالية التي حققتها دول الخليج أثناء فترة ارتفاع أسعار النفط، خصوصاً السعودية والإمارات وقطر والكويت، كافية لدعم اقتصاداتها خلال فترة زمنية لا تقل عن ثلاث سنوات، فهذه الدول ستستمر في تنفيذ مشاريعها الحالية والمستقبلية، علماً بأن الإنفاق الحكومي الخليجي سواء الرأسمالي أو الجاري، وصل إلى مستويات غير مسبوقة هذا العام والأعوام الماضية، وانعكس إيجاباً على أداء الشركات المدرجة العاملة في معظم القطاعات الاقتصادية وربحيتها، فبلغ متوسط نمو أرباح الشركات الإماراتية خلال الشهور التسعة الماضية ٢٨ في المئة. وتسرب هذا الإنفاق إلى كل شرايين الاقتصاد في صورة مباشرة وغير مباشرة، فيما ساهمت الطفرة النفطية في نمو الدور الذي يلعبه القطاع الخاص، خصوصاً في الإمارات، جنباً إلى جنب مع القطاع العام، مع توقعات بأن يؤدي القطاع الخاص دوراً مهماً في تعويض أي تراجع في قطاع النفط.

يذكر أن معظم الشركات المدرجة في أسواق الإمارات تتركز نشاطاتها في الاقتصاد الإماراتي المحلي، فهي شركات ناشطة في العقارات والتأمين والخدمات والمصارف والخدمات وغيرها، وبالتالي فالخسائر الجسيمة التي تعرضت لها أسعار أسهم الشركات المدرجة في سوقي الإمارات مبالغ فيها، خصوصاً في سوق دبي، إذ لا يشكل النفط في الإمارة نسبة تذكر من قيمة ناتجها المحلي الإجمالي الذي يعتمد في صورة رئيسة على الخدمات والسياحة والطيران والنقل والعقارات والخدمات المالية.

وأدى الاستثمار الأجنبي دوراً في أداء أسواق المنطقة خلال هذه الفترة الاستثنائية، خصوصاً الأسواق التي أصبحت جزءاً من منظومة الأسواق المالية العالمية الناشئة بعد انضمامها إلى مؤشر «مورغان ستانلي» وفي مقدمها أسواق الإمارات وقطر. وتتخوف المحافظ الاستثمارية العالمية من تأثيرات تراجع أسعار النفط في أسواق الأسهم في الخليج في حال واصلت أسعار النفط انخفاضها، لكنها تتغاضى عن متانة اقتصادات الخليج وتعمد إلى تسييل جزء من محافظها في أسواق المنطقة بعدما حققت مكاسب متميزة لتغطية خسائرها في الأسواق الأم.

لكن الاستثمار الأجنبي في سوقي الإمارات وعلى رغم عمليات التسييل التي أجراها، لا يزال محتفظاً بصافي شراء كبير يعتبر الأكبر منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 وذلك لثقته الكبيرة في أداء الاقتصاد الإماراتي وقوة أساسياته. وأظهر مسح أجرته وكالة «رويترز» لآراء مديري الأصول في المنطقة، أن مديري صناديق الشرق الأوسط يتوقعون استئناف ضخ الأموال في أسواق الأسهم الخليجية في الأشهر المقبلة فور تلاشي صدمة تراجع سعر النفط وفي ضوء فرص الاستثمار المهمة المتوافرة حالياً في سوقي الإمارات في ظل توقعات باستمرار نمو ربحية الشركات المدرجة خلال الربع الأخير من هذا العام، إضافة إلى التراجع الكبير الذي تعرضت له أسعار أسهم معظم الشركات المدرجة. ويُلاحَظ أن مؤشرات مُضاعَف الأسعار انخفضت إلى مستويات مغرية للمستثمرين في الأجل البعيد.

* نقلاً عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.