لماذا تتضرر أسعار الذهب؟

عبدالله بن عبدالمحسن الفرج

نشر في: آخر تحديث:

استغربت عندما قرأت تقرير رويتر في 28 نوفمبر الماضي تحت عنوان: الذهب يواصل التراجع مع هبوط أسعار النفط. وقد ظننت في البداية أن هناك خطأ في صياغة العنوان. ولكن عندما تمعنت في النص وجدت أن تقرير رويتر يصر على أن الذهب قد تضرر بسبب تراجع أسعار النفط وما تبعه من صعود الدولار.

إذا فنحن هنا ليس أمام صياغة غير موفقة للعنوان. فالطرح على النحو المشار إليه يعتبر، كما يبدو لي، خطأ في فهم التطورات الاقتصادية وتفسيرها. والغرابة أنه صادر عن وكالة عالمية مشهورة. وهذا طبعاً بحد ذاته يعطي الخبر مصداقية أو شهادة، كتلك التي تعطى في المدارس، بصحة المعلومات الواردة. وهذا ليس مصادفة حسبما أعتقد.

إن المتهم الرئيس في خبر رويتر، مثلما نرى، هو النفط الذي أدى إلى تضرر الذهب وصعود الدولار. وهذا قلب للأمور، سواء كان بقصد أو بدونه، رأساً على عقب. فوضع النتيجة مكان السبب يغير المعادلة ويؤدي إلى استنتاجات خاطئة وعدم فهم للتابع الأحداث الاقتصادية. واعتقد أن جذور المسألة ترجع إلى بداية السبعينات من القرن المنصرم. فبعد حرب أكتوبر عام 73 وقطع النفط بدأ العزف على نوتة: ان الأوبك مسؤولة عن ارتفاع أسعار النفط. وبدون شك فإن المقاطعة قد ساهمت، على الأقل من الناحية النفسية، في تقبل ذلك التفسير. وهذا كان مهم لإقناع مستهلكي الوقود وأصحاب السيارات في الولايات المتحدة بأن ارتفاع أسعار البنزين سببه عامل خارجي. ولهذا كالوا لعناتهم على منظمة الأقطار المصدرة للنفط.

ومثلما نعلم فإن أسعار النفط قد واصلت الارتفاع حتى بعد انتهاء المقاطعة-وخاصة الأسعار الأسمية التي صارت تتباعد عن الأسعار الحقيقية. ولكن الماكينة الإعلامية قد عملت عملها. وأصبح الاعتقاد الراسخ لدى الناس في البلدان المستوردة للذهب الأسود أن الأوبك هي المسؤولة عن معاناتهم. وهذا مخالف للواقع. ففي حقيقة الأمر أسعار النفط بدأت ترتفع في السبعينات عندما تم فك ارتباط الدولار بالذهب. وهذا أمر يتم التعتيم عليه إعلامياً، في البلدان الصناعية المستهلكة للطاقة الأحفورية، من أجل حرف اهتمام المواطنين هناك عن الأسباب الحقيقية لمعاناتهم.

ان سعر العملة التي يباع بها النفط تلعب دوراً كبيراً في ارتفاع سعره أو انخفاضه. فبعد فك الارتباط بالذهب أصبح الدولار مغطى بالاقتصاد الأمريكي. والاقتصاد الأمريكي ليس وحدة ثابتة المقاس. فمرة، وذلك حسب الدورة الاقتصادية، يكون في حالة نمو وازدهار، وفائض في الميزان والحساب الجاري، فتقوى على أساس ذلك عملة البلد. ولكن هناك فترة يعاني الاقتصاد فيها من الكساد ومن عجز في الميزانية وبقية الحسابات الأخرى فتضعف العملة تبعاً لذلك.

ونحن الآن ربما قد وصلنا إلى مرحلة سوف يبدأ بعدها الاقتصاد الأمريكي بالتحسن. ولذلك يعكس الدولار، الذي هو بمثابة مرآة لذلك الاقتصاد، هذا الواقع. وباعتبار أن النفط ليس هو السلعة الوحيدة التي تباع بالورقة الخضراء –فما يربو على 85% من الصفقات الدولية تتم بواسطتها لأنها عملة الاحتياط الرئيسية في العالم-ولذلك يؤدي ارتفاع سعر صرفها إلى انخفاض أسعار الصفقات التي تتم بها ومن ضمنها الذهب. فالنفط ليس له هنا دخل في الموضوع.

* نقلاً عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.