ماذا لو صـدِّرت أميركا غازاً مسيلاً؟

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

يدور نقاش واسع في الولايات المتحدة حول السياسة الواجب اتباعها لتصدير الغاز الصخري، وبما أن الصادرات ستكون عبر البحار والمحيطات للوصول إلى الدول المستوردة، يجب تسييل الغاز قبل شحنه عبر ناقلات متخصصة. وارتفع احتياط الغاز الطبيعي من نحو 144 بليون قدم مكعبة في 2000 إلى نحو 334 بليوناً عام 2011، بسبب زيادة احتياط الغاز الصخري.

وتدور الخلافات حول الفائدة المرجوة من تصدير الغاز المسيل، فبحسب الذين يعارضون التصدير، أو يدعون إلى تقليص كميات التصدير بقدر الإمكان، خصوصاً جمعيات حماية المستهلك وشركات تصدير السلع، كلما انخفضت إمدادات الغاز في الولايات المتحدة، ارتفع سعر الغاز المحلي، ما يزيد من كلفة الإنتاج الصناعية المحلية ويضر بالمستهلك الأميركي ويؤثر سلباً في تنافسية هذه السلع عالمياً. أما الذين يؤيدون التصدير وزيادة كمياته، خصوصاً شركات إنتاج الغاز فيركزون على أن الأمن القومي الأميركي يستدعي زيادة معدل تصدير الغاز ليحل محل صادرات الغاز الروسية فيقلص ريعها بما يؤثر سلباً في الاقتصاد الروسي، الأمر الذي حذر منه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ويجب على الولايات المتحدة انتهاز الفرصة المتاحة للتواجد في أكبر عدد من الأسواق في مرحلة التغيير المهمة في صناعة الغاز العالمية، فهذه فرصة لن تدوم. وفي خضم هذا النقاش، سن مجلس النواب قانونين في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي للتأكد من أن صناعة النفط والغاز الصخريين تستمر في نموها من دون عراقيل قانونية. وطالب القانون بتزويد المستهلك الأميركي بالإمدادات اللازمة من الغاز الطبيعي لتوفير النمو اللازم للصناعة المحلية. ولكن لجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب طالبت في أوائل شباط (فبراير) الجاري وزارة الطاقة بالاستعجال في الموافقة على الطلبات المقدمة إليها حتى 2014 لتشييد مشاريع لتصدير الغاز المسيل.

وانتقدت اللجنة الوزارة على تباطؤها في مراجعة هذه الطلبات والموافقة عليها، ما أدى إلى منح خمس رخص تصدير فقط حتى الآن، بينما هناك نحو 20 طلباً إضافياً بانتظار المراجعة. وفندت اللجنة في شكل خاص القوانين التي سُنّت حين كانت الولايات المتحدة دولة مستوردة للغاز من دون أي أفق لزيادة الإنتاج. ولاحظت اللجنة أن احتياط الغاز الأميركي في ارتفاع مستمر، فسيبقى معدل الإنتاج أعلى بكثير من معدلات الاستهلاك.

وانتقدت اللجنة القوانين الصادرة عن الحكومة الفيديرالية التي تعرقل الاستكشاف في المناطق البرية أو المغمورة لأسباب بيئية أو غيرها. وفي ضوء مناقشات اللجنة، يمكن أن يشرع الكونغرس القوانين اللازمة لزيادة صادرات الغاز المسيل والتسريع في الحصول على الموافقات اللازمة من وزارة الطاقة، ما سيشكل تحدياً مهماً للدول المصدرة للغاز التقليدي في وقت أقصر بكثير مما كان متوقعاً.

أما بالنسبة إلى إنتاج النفط الصخري الأميركي، فهو أيضاً في ازدياد مستمر خلال هذا العقد، ولكن يتوقع استقرار معدلات الإنتاج في النصف الأول من العقد المقبل، أي بحلول 2025، ليبدأ الإنتاج في الانخفاض تدريجاً. ويُذكَر أن الغاز المسيل الأميركي خلق منافسة قوية في أسواق الغاز العالمية لأن طريقة تسعيره تعتمد على مقارنة سعره بسعر الغاز في الولايات المتحدة، حيث توجد بورصات تتابع أسعار الغاز يومياً ما يبقي الأسعار والأسواق في تنافس مستمر.

وبنيت معادلات تصدير الغاز التقليدي بمقارنته بأسعار النفط الخام كما هي الحال في الأسواق الآسيوية أو أسعار المنتجات النفطية كما هو الأمر في الأسواق الأوروبية. ونتج من الفروق في هذه المعادلات تفاوت كبير في الأسعار، خصوصاً مع بدء تصدير الغاز المسيل الأميركي، ولو أن كميات الإمدادات كانت محدودة جداً في بادئ الأمر.

وسجل معدل أسعار الغاز المستورد الآتي خلال 2012: السعر الأميركي نحو 2.74 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، والسعر الأوروبي ما بين 9.34 و12.56 دولار، والسعر الياباني نحو 16.55 دولار. وأدت هذه الفروق إلى ضغط الدول المستهلكة على المصدرين للغاز التقليدي لتبني معادلات جديدة، وهو أمر قيد المفاوضات ولا يتوقع البت فيه قريباً نظراً إلى انعكاساته الاقتصادية على الدول المصدرة ومشاريع الغاز المسيل التي شيدتها بتكاليف عالية.

وكدليل على زيادة الإنتاج النفطي، سجل مستوى الإنتاج من ولاية داكوتا الشمالية الأميركية نحو 100 ألف برميل يومياً في 2000. وتضاعف هذا المستوى الإنتاجي عام 2009، ويُتوقع أن يرتفع إنتاج الولاية إلى نحو مليون برميل يومياً خلال الأشهر القليلة المقبلة. وفي ولاية تكساس، ارتفع إنتاج النفط الصخري إلى نحو 2.7 مليون برميل يومياً.

وتدل إحصاءات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مستوى إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة خلال عام 2013 بلغ مستوى 7.5 مليون برميل يومياً، أو بزيادة مليون برميل يومياً عن 2012. ويُتوقع أن يستمر معدل الزيادة هذه خلال العام الحالي، ليصل مستوى الإنتاج الأميركي إلى نحو 9.3 مليون برميل يومياً بحلول 2015، وهو معدل مواز تقريباً للإنتاج الحالي لكل من السعودية وروسيا، أكبر دولتين منتجتين للنفط الخام عالمياً. ومعظم هذه الزيادة في الإنتاج الأميركي مردها النفط الصخري.

وساعد توافر زيادة الإنتاج النفطي في تحسين ميزان المدفوعات الأميركي، فبينما كان يشكل استيراد الولايات المتحدة من النفط نحو 60 في المئة من الاستهلاك المحلي في 2005، شكل الاستيراد نحو ثلث الاستهلاك في 2013. والنتيجة أن قيمة النفط المستورد انخفضت نحو 13 في المئة سنوياً. هذا واستوردت الولايات المتحدة في 2013، نحو 3.4 مليون برميل يومياً من دول «أوبك»، معظمها من السعودية، بينما بلغ معدل الاستيراد من دول «أوبك» نحو 6.4 مليون برميل يومياً في آب (أغسطس) 2008.

ويكمن سبب رئيس وراء الاستثمارات في إنتاج النفط الصخري في كلفة الإنتاج التي تبلغ نحو 64 دولاراً للبرميل، مقارنة بنحو 100 دولار للبرميل لأسعار النفط العالمية خلال السنتين الماضيتين. وثمة هامش كبير من الأرباح تجنيه الشركات. وما دامت أسعار النفط الخام عند مستواها العالي، هناك قبول واسع لهذه الأسعار، خصوصاً في الدول الصناعية المستهلكة، إذ أن شركاتها تنقب عن النفط غير التقليدي من أعماق البحار أو تستكشف النفط الصخري.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.