عاجل

البث المباشر

النفط من رافعة اقتصادية عربية إلى سلاح في يد الأقاليم

تمر صناعة النفط العربية منذ احتلال العراق عام 2003 ثم انطلاق «الربيع العربي»، في مرحلة خطرة تعتبر سابقة اقليمياً. وتتميز هذه المرحلة بانتفاضة الأقاليم على سلطة الدولة النفطية ومطالبتها بحصة أكبر من العائدات، ومشاركتها في كل قرارات الصناعة مع الشركات الدولية. ويبادر بعض الأقاليم بالتهريب العلني للنفط الخام والمنتجات البترولية من دون رادع. كما احتُلت حقول نفط وموانئ تصدير في بعض الدول، وانخفضت معدلات الانتاج الى مستويات متدنية، لحرمان الدولة من العائد النفطي وشل قدرتها على ادارة البلد. والمثالان الرئيسان لهذه التجربة هما العراق وليبيا، وان توسعت التجربة لتشمل السودان وسورية.

بدأت هذه المرحلة مع احتلال العراق. فدستور 2005 الذي شرّع الحكم الفيديرالي في البلاد يضم صيغاً غامضة بالنسبة للصلاحيات النفطية لكل من الحكومات الفيديرالية والمحلية. وأدى هذا الغموض الى سلسلة من النزاعات ما بين بغداد واقليم كردستان، والى عدم تمكن البرلمان العراقي من تشريع قانون نفطي يؤطر سياسة البلاد النفطية منذ إقراره من قبل مجلس الوزراء في شباط (فبراير) 2007. فبرزت سياستان نفطيتان مختلفتان في البلاد، حيث تتعاقد حكومة الاقليم مع شركات دولية (نحو 50 اتفاقاً) من دون موافقة وزارة النفط الفيديرالية او معرفتها.

واختلفت عقود النفط في الاقليم، والتي اعتمدت اتفاقات مشاركة الانتاج، مع اتفاقات الحكومة الفيديرالية التي تبنت اتفاقات الخدمة الطويلة الأجل. واستفادت شركات النفط من هذا الخلاف. كما تصاعد الخلاف في البلاد، بحيث منعت بغداد الشركات الدولية العاملة في الاقليم من العمل في بقية انحاء البلاد. وأخيراً تصاعد الخلاف، فبادرت حكومة الاقليم بتشييد خط انابيب يربط حقولها مباشرة بالخطوط التركية بحيث تستطيع التصدير من دون موافقة بغداد او علمها. لكن رغم الانتهاء من تشييد الخط ونقل النفط الى ميناء جيهان التركي، لم يتم اي تصدير للأسواق العالمية حتى الآن.

يتضح ان أنقرة منحت الأكراد الموافقة على ربط خطهم مع الخطوط التركية. لكنها وعدت الحكومة العراقية في الوقت ذاته بعدم السماح بتصدير اي نفط عراقي من دون موافقتها لأن هذا يعني المس بالسيادة العراقية. واعتقدت تركيا انها ستستطيع حل هذا النزاع ما بين بغداد وأربيل، ومن ثم تستفيد من هذه الاتفاقات المتناقضة. لكنها أخفقت حتى الآن في الوصول الى حل للنزاع. ومن ثم يبقى هناك نحو مليون برميل من النفط الخام في مستودعات جيهان من دون تصدير. وتبقى الأمور عالقة بين بغداد واربيل.

وتوسع الخلاف النفطي أخيراً بين بغداد والمحافظات. اذ تطالب البصرة التي تنتج نحو 80 في المئة من النفط العراقي، والمحافظات المنتجة الأخرى، ان تلتزم حكومة اقليم كردستان بدفع الحصة اللازمة من ريع انتاجها للحكومة الفيديرالية، في مقابل استلامها 17 في المئة من مجمل ريع النفط العراقي. اي من غير المعقول ان يستلم اقليم كردستان حصته من النفط العراقي من دون ان يشارك في الدفع. كما تطالب أيضاً ان تدفع بغداد لها خمس دولارات لكل برميل يتم انتاجه، بدلاً من دولار واحد. وان تتصرف المحافظات من دون مراجعة بغداد بهذه الأموال. ووافق البرلمان على هذا الطلب، كما اضطرت حكومة نوري المالكي الضعيفة وقبيل الانتخابات البرلمانية في الشهر المقبل، على الموافقة عليه. لكن هذا المطلب توسع. اذ نجد ان بعض الأقضية، كقضاء الزبير مثلاً والتابع لمحافظة البصرة، والذي يضم حقل الزبير العملاق، تطالب بالتحول من قضاء الى محافظة للاستفادة من الدولارات الخمس. ونجد ايضاً ان محافظات غير منتجة نفطياً مثل بابل تطالب بجزء من المبلغ لأن هناك انبوب نفط خام يمر عبر أراضيها.

والمشكلة الأكبر هي في الخلافات بين المحافظات، بخاصة الجنوبية منها، حيث يمتد حقل نفطي عبر اراضي محافظتين، ومن ثم مطالبة كل محافظة بخمس دولارات للبرميل. وقد هددت محافظة البصرة بوقف الصادرات النفطية في حال عدم تلبية مطالبها.
اما في ليبيا فيحاول الفيديراليون تقسيم البلاد الى ثلاث محافظات: برقة في الشرق حيث يتواجدون وحيث الحقول النفطية المهمة، وفزان في الجنوب الغربي وطرابلس في الغرب. ويطالبون بحكومة فيديرالية لاستلام مهمات الدفاع والمصرف المركزي والسياسة الخارجية، وبمشاركة الحكومة الفيديرالية في ريع نفوط منطقة برقة.

هذه المحاولات لم تنجح حتى الآن. الا ان الفيديراليين يضغطون على الحكومة من خلال احتلالهم حقول النفط ومنع الانتاج، من اجل حرمانها من الأموال اللازمة لادارة البلاد. وبالفعل انخفض انتاج النفط الليبي من نحو 1.4-1.6 مليون برميل يومياً الى نحو 250 ألف برميل يومياً. لكن الفيديراليين صعدوا ضغوطهم، فاتفقوا مع تجار نفط لتصديره مباشرة الى الأسواق الدولية. ومن الطبيعي، انهم مضطرون لخصومات كبيرة نظراً للأخطار التي يتحملها الوسطاء في هذه العملية، ليظهروا لحكومة طرابلس ان باستطاعتهم الانتاج والتصدير من دون مساعدتهم او موافقتهم. وبالفعل تم استئجار ناقلة عملاقة تحمل علم كوريا الشمالية لتحميل الشحنة الأولى. وعلى رغم تهديد رئيس الوزراء بقصفها قبل مغادرتها المياه الليبية، غادرت من دون اي اصابات.

يكمن سبب ذلك في ان هناك شعوراً واسعاً في دول عربية عدة، بأن الحكومات المركزية ركزت معظم اهتمامها وموازناتها على المدن والمناطق الحضرية، ولم تعر انتباهاً كافياً للأقاليم. كما ان الحكومات الحالية فاسدة اكثر من السابق. وتحاول الأقاليم الخارجية في مرحلة ما بعد الديكتاتوريات الفردية انتهاز وهن الحكومات وانهماكها بالفلتان الأمني، للضغط عليها من اجل تحقيق مكاسب، مثل ضعضعة السياسة النفطية للبلاد كي تساهم الولايات في رسم هذه السياسة، والمشاركة في التفاوض مع الشركات الدولية، وخصوصاً الحصول على نسبة اعلى من الريع النفطي لمناطقهم تخصص لهم مباشرة في الموازنة العامة السنوية.

هناك عوامل رئيسة وراء هذه السياسات. فثقافة الفساد توسعت بشدة. كما ان هناك انطباعاً خاطئاً هو ان اللجوء الى الفيديرالية سيحل مشاكل الاقاليم الخارجية وسيشكل سداً منيعاً امام سوء الادارة. والوسيلة المتاحة للفيديراليين هي استعمال سلاح النفط لاضعاف الدول، بل محاولة تقسيمها.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة