"شمس اليوم.. نفط الغد" تحقيق خاص عن الطاقة الشمسية

نشر في: آخر تحديث:

في الغابة أسرار الطبيعة، قوتها و ضعفها، دائرة الحياة و تكامل الكائنات، من أشعة الشمس تنمو هذه الأشجار، ومن أخشاب هذه الأشجار كان الإنسان يحصل على نحو 90% من الطاقة التي يحتاجها قبل أكثر من مئة عام.

اليوم يعيش العالم صدمة بدأت فيها معالمه الجغرافية بالتغير، ما شهده العالم منذ مطلع القرن العشرين يثير الهلع، دمار هائل أصاب أجزاء من هذا الكوكب، والمتهم الأول هو ما يسمى بالاحتباس الحراري.

الاعتقاد السائد هو أن درجة الحرارة على سطح الأرض اليوم هي تقريباً ضعف الدرجة قبل 200 عام، هذا الارتفاع جاء مع زيادة كمية الغازات التي تساهم في تدفئة جو الأرض السطحي، وتعود هذه الظاهرة إلى النشاط البشري منذ بداية الثورة الصناعية، والاستخدام المتهور للوقود الحيوي.

ما بين عام 1990 و2008 سجل النمو في استهلاك الطاقة مستويات عالية جداً في الشرق الأوسط والصين والهند، وإفريقيا، فيما وصل متوسط نمو الاستهلاك العالمي إلى 39%.

نمو كبير

وتوقعت وكالة الطاقة الدولية أن يتواصل نمو استهلاك الطاقة عالميا بنحو الثلث حتى 2040 بدعم أساسي من الطلب في دول الاقتصادات النامية.

وتقول الوكالة إن الوقود الحيوي سيستمر بتوليد 80% من طاقة العالم حتى عام 2040. وهذه حقيقة مقلقة لأن اعتماد العالم على الطاقة يأتي من مصادر هي بلا شك ناضبة. والأخطار البيئية باتت هاجساً يحرك الشعوب.

ضج العالم لسنوات بسبب الاحتباس الحراري، ووصلت هذه الضجة ذروتها قبل نهاية العام الماضي، تحديداً قبيل المؤتمر العالمي للمناخ في باريس.

وخرجت الحشود للشوارع مطالبة نحو 200 دولة تجتمع في باريس بالتسريع في إقرار الاتفاق الذي يهدف للتصدي للاحتباس الحراري، والتوجه نحو مصادر الطاقة المتجددة، و بالتالي إبطاء سرعة ارتفاع درجة حرارة الأرض. الجدل حول هذا الموضوع لم يقتصر على الشارع فقط، فألهبت حرارته الجدل بين السياسيين.

وفي اجتماع باريس كان العالم ينتظر، تواصل حوار الدول المشاركة على وقع أصوات الطبول والهتافات في الشارع، كما النداءات من الفضاء.

القارة السمراء

الفرحة بقرار قمة باريس امتدت من أوروبا لأقصى القارة السمراء، جنوب إفريقيا، يعد هذا البلد الاقتصاد الإفريقي الأكبر والأكثر تطوراً، ويضم أيضا تنوعاً عرقياً فريداً، جعل منه قوة مؤثرة في المنطقة، وواحداً من أكثر الديمقراطيات استقراراً في القارة الإفريقية.

هنا تعمل الدولة على تشجيع القروض الصناعية، ودعم الاستثمارات الخارجية، و مع تواجد الأيدي العاملة بأسعار زهيدة، تستقطب الثروات الطبيعية في البلاد المستثمرين من مكان.

وقال محمد أبونيان، رئيس مجلس الإدارة في أكواباور "النجاح الذي حققناه في كوب 21 في باريس، هذا أعطى أفقا جديدا للطاقة المتجددة، لأن اتفاق دول العالم على نسب من الطاقة المتجددة وخفض الكربون هذا يعطي دفعة كبيرة للطاقة المتجددة في العالم.

جنوب إفريقيا كانت مدركة لمستقبل الطاقة النظيفة في أراضيها، إدراكاً تعزز بعد أن صنفت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة هذا البلد كواحد من الأسواق الأكثر جاذبية لإقامة محطات الطاقة الشمسية حتى 2020.

ثروة المناخ

ثروة المناخ تتبدى معالمها واضحة في جنوب إفريقيا و تشكل فرصة مثالية للاستثمار في الطاقة الشمسية، معظم المناطق في هذا البلد تستقبل 2500 ساعة من أشعة الشمس سنويا، الأمر الذي يجعلها من أكثر المناطق المشمسة حول العالم.

تدرك جنوب إفريقيا أيضاً أن التباطؤ في تطوير البنية التحتية الخاصة بالطاقة سيؤثر سلباً على النمو الاقتصادي للبلاد.

قبل ست سنوات أطلقت جنوب إفريقيا خطة وطنية تعزز من استخدام الطاقة النظيفة بحلول 2030.

في عام 2014 صنف تقرير للأمم المتحدة جنوب إفريقيا كواحدة من الدول العشر الأولى من حيت الاستثمارات في الطاقة الشمسية، هذا التصنيف جاء بعد 3 سنوات من وضع الحكومة هنا لإجراءات رفعت مستوى التنافسية في هذا القطاع.

الطاقة النظيفة

تمضي هذه الخطة بشكل جيد، إذا تمكنت جنوب إفريقيا من جذب استثمارات أجنبية تتجاوز 12 مليار دولار في الطاقة النظيفة، التي بدأت تمد البلاد بخمسة في المئة من الكهرباء بعد أن كانت مساهمتها معدومة قبل سنوات قليلة.

في 2013 بدأ تحالف تقوده شركة أكواباور السعودية في إنشاء مشروع بوكبورت لإنتاج الكهرباء بتقنية الطاقة الشمسية، هذا المشروع يأتي كجزء من برنامج الطاقة المتجددة في جنوب إفريقيا على أساس نظام البناء والتملك والتشغيل، بقدرة إنتاجية للكهرباء تصل سعتها إلى 50 ميغا وات.

وقال أبونيان، "اليوم الطاقة المتجددة وخاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بتقنيات والتكلفة التي انخفضت في السنوات الماضية في تكلفة الإنشاء والتشغيل والصيانة صارت التكاليف هذه تعطيك مجالا أن تكون فعلاً طاقة منافسة".

يمتد عقد التحالف في جنوب إفريقيا لمدة عشرين عاماً، و تم تزويده بعد التشغيل مطلع هذا العام بأكبر خزانات متاحة لتخزين الطاقة الحرارية، اكواباور تقول إنها ستتمكن من تحقيق معدلات عالية من الإنتاج تتجاوز مئتي غيغاو وات للساعة في السنة، لدعم شبكة الكهرباء في جنوب إفريقيا.
ووصلت تكلفة هذا المشروع إلى 520 مليون دولار، تم تمويلها عبر قروض بنكية.

تمويل محلي

وقال ثامر الشرهان، العضو المنتدب لشركة أكوا باور "القروض تم الحصول عليها أغلبها من البنوك المحلية، وتقريبا هي تمثل 37% من قيمة المشروع الكاملة، والسبب أنها راحت للبنوك المحلية والسبب في ذلك لتفادي أي مخاطر لتغير سعر العملة، فمن هذا المنطلق أخذنا التمويل من بنوك محلية".

مشروع جنوب إفريقيا لا يعد الوحيد للشركة، حيت تمتد عمليات اكواباور في عشر دول، وتتجاوز استثماراتها في مشاريع الطاقة النظيفة وتحلية المياه

26 مليار دولار، اليوم تنتج الشركة نحو 17 غيغا وات من الكهرباء، وما يقارب 2.5 مليون متر مكعب من المياه المحلاة.

وأضاف ثامر، "الناس أغلبها تفكر أن الطاقة الشمسية سعرها غالٍ وما تتنافس مع الوقود التقليدي، في الحقيقة لا، تتنافس وبقوة".

وعبر مشاريعها العملاقة تساهم اكواباور في تحويل التوقعات العالمية حول الطاقة الشمسية الى واقع ملموس، الوكالة الدولية للطاقة المتجددة توقع أن ينمو الطلب على الطاقة الكهربائية عالميا بأكثر من 50% عام2030.

موارد هائلة

وفي نفس العام سترتفع مساهمة الطاقة الشمسية إلى 2500 غيغا وات. وهذا سيساهم في الحد من الانبعاثات الكربونية بنحو 3 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا. فهل لك أن تتخيل الأثر الذي ستلعبه مشاريع الطاقة المتجددة في جعل هذا العالم مكاناً أفضل؟

أكثر من 600 مليون شخص محرومون من إمدادات منتظمة للتيار الكهربائي في القارة الإفريقية، وتوفير الطاقة يعد معضلة كبرى للأفارقة، اليوم الاستثمار في أشعة الشمس الساطعة دوما هنا والمتوفرة بغزارة يعد أحد الحلول لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

في جنوب إفريقيا يوفر مشروع بوكبورت الذي نفذه تحالف اكواباور ألف وثلاثمئة ميغاوات في الساعة.

ما يعني توفير إمدادات من الكهرباء لأكثر من مئتي ألف منزل، ويعني أن إفريقيا تخطو خطوات جادة للاستفادة من مواردها الطبيعية الهائلة.

هنا في قرى يكافح سكانها للعيش، ترى السيدات يحملن قدرهن كل صباح، يغدن ويرحن في دروب الكدح، يتبادلن الحديث حول ينابيع الحياة، يركض الأطفال من حولهن، هذه الأيام و على رغم بساطتها إلا أنها شاقة جداً، ومع هذا تعلو الشفاه ابتسامة بسيطة، إنه الرضا ربما، وربما تكون غبطة استقبال الوافد الجديد، فهل ستودع القارة السمراء عصور الظلام للأبد؟.