عاجل

البث المباشر

النفق المظلم لصندوق قطر السيادي و«باركليز»

هل سينتهي المطاف بمصرف باركليز وصندوق قطر السيادي كما انتهى الأمر بمصرف (كاويثنج) الأيسلندي وأحد المستثمرين القطريين. فالقصتان متشابهتان. وباختصار شديد قام المصرفان بإقراض المستثمرين القطريين بشرط استثمار القرض في زيادة رأسمالهما. في الحالة الأيسلندية منعت لجنة برلمانية الصفقة لمخالفتها نص وروح القوانين المصرفية المتعارف عليها، وفضلت أن ينهار المصرف ويفلس ويسيل، على أن ينقذ، كما لم يمر الأمر مرور الكرام على المستثمر القطري، إذ لم يتم الوصول إلى تسوية إلا الأسبوع الماضي.

وهذا بلا شك يدل على احترام آيسلندا للقوانين، والتزامها الكامل بها في كل الظروف. أما في الحالة البريطانية، فالصفقة لم تلغ وما زالت التحقيقات جارية، على الرغم من البنك اعترف بخطئه في الانخراط في مثل هذه الصفقات، وعلى الرغم من اعترافه بتقديم معلومات خاطئة (طريقة مؤدبة للاعتراف بالكذب) لوسائل الإعلام بخصوص شخصيات كانت تنوي الاستثمار في زيادة رأس المال. إن قيام أي مصرف بإقراض أي مستثمر لغرض استثمار القرض في زيادة رأسمال البنك، عملية خطيرة جدا تعرض أموال المودعين إلى خطر حقيقي، كما تعتبر مثل هذه الصفقات بمثابة تهريج مصرفي حقيقي لم أتوقع أنا شخصيا أن أعيش لأسمع أن مصرفا قد يقوم بعملية كهذه.

إن القروض المصرفية يجب أن تكون قائمة ومبنية على أسس علمية مالية معروفة، كما يجب أن تكون المخاطر المصاحبة للقروض مقدرة ومحسوبة بدرجة دقيقة يمكن من خلالها لصناع القرار في المصرف أن يتخذوا القرار الصائب بما يحفظ تطلعات المصرف في تحقيق الأرباح، وبما يضمن جدية المصرف في الحفاظ على أموال المودعين والمستثمرين في البنك على حد سواء. وفي سبيل تحقيق درجة عالية من المهنية المصرفية عند إصدار أي قرض، لا بد للمصرف المقرض أن يكون على درجة عالية من الاستقلالية عن كل من المقترض والمشروع الذي ينوي المقترض صرف القرض عليه. ولذلك نجد أن المصارف الكبيرة والجادة تتطلب درجة عالية من الإفصاح والشفافية من موظفيها وعلاقتهم بالعملاء، وذلك يشمل صلة القرابة بالعميل والمصالح المالية والتجارية مع العميل أو الجهة التي ينوي العميل استخدام القرض للاستثمار فيه، وغيرها من الإفصاحات المهمة. ويعتبر الإخلال بالاستقلالية في أثناء إصدار القرض والموافقة عليه كارثة مصرفية؛ نظرا لما قد تخلفه من دمار على مصالح المساهمين في المصرف، وعلى مصالح المودعين، وقد يكون هناك تأثير حقيقي كذلك في مصالح الاقتصاد وسمعة الدولة المالية والتشريعية كذلك.

وما قام به ''باركليز'' في حقيقة الأمر، هو استخدام أموال المودعين في إقراض صندوق قطر السيادي، شرط أن يقوم الصندوق القطري باستثمار القرض في زيادة رأسمال البنك نفسه حتى لا يتعرض للانهيار، ومن ثم تؤول ملكيته للدولة البريطانية. والقانون المصرفي في معظم دول العالم يمنع مثل هذه الصفقة لأسباب عديدة. فعلى سبيل المثال، كيف يمكن لمصرف أن يكون مستقلا في تقييم مخاطر القرض المصدر، إذا كان المصرف نفسه هو الجهة التي يجب على المقترض الاستثمار فيها. فالاستفادة المباشرة والواضحة وتعارض المصالح الفاضح يحول بلا شك دون قدرة المصرف على تقدير حجم مخاطر القرض بشكل مستقل يضمن حقوق المودع، ويضمن مصالحه بشكل مهني وعلمي. كما أن قبول إصدار مثل هذا القرض يثير تساؤلات عديدة حول مصداقية ''باركليز'' في إعطاء الرأي الصحيح والاستشارة المالية النزيهة لعميلة صندوق قطر السيادي. فمصرف باركليز له مصلحة مباشرة في هذه الحالة في تضليل عميله القطري لتحقيق مصلحة وغاية للبنك على حساب واجبه وأمانته المصرفية في إعطاء الرأي الصائب بعيدا عن كل التأثيرات والمصالح الذاتية. طبعا هذا لا ولن يعفي صندوق قطر السيادي من المسؤولية القانونية المترتبة على إهماله وتقاعسه عن معرفة واجباته، ومن ثم الالتزام بها فيما يخص احترام قوانين الدول وأعرافها وتشريعاتها القانونية، فحتى لو ثبت بالدليل القاطع تضليل ''باركليز'' لصندوق قطر السيادي، فسيظل الصندوق عرضة للشبهة وللمساءلة القانونية.

إن مخالفة قوانين الدول وأعرافها لتحقيق المكاسب المالية أمر مشين فعلا، وانعكاساته خطيرة سواء على سمعة الدولة المستثمر فيها أو على سمعة المستثمر المخالف نفسه. ومهما بلغت شدة العقوبات التي تنوي بريطانيا إصدارها على ''باركليز'' وصندوق قطر السيادي في حالة إدانة الطرفين، أقول مهما بلغت شدة العقوبة فلا يمكن لأي طرف نقدها أو الاحتجاج عليها. فالمسألة مسألة سيادة دولة وسمعة قانون ومصالح شعب.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات