عاجل

البث المباشر

أرصدة تصل 375 بليون ريال

يرى الرئيس المصري محمد مرسي، الوضع في بلاده مستقر في محاولة (تحمل بؤسها معها) لاستعادة سياحة ''هاربة'' من مصر، واستثمارات سبقت السياحة في هروبها، لكن الأمر على الأرض ليس كذلك. فالوضع غير مستقر، والأزمات الاجتماعية الناجمة عن الفوضى الاقتصادية تتزايد، والغلاء في ارتفاع، والاحتياطي من القطع الأجنبي في انخفاض، وبعض المعاشات في تأخر، والجنيه في ''تهالك''، والبطالة في أوجها، والحكومة منشغلة في إقناع صندوق النقد الدولي، بأنها لا تعتمد على قراءة الكف ولا البلورة السحرية، والضرب بالرمل، في رسم صورة مستقبلية للاقتصاد المصري، مقبولة لدى الصندوق. بعض التفسيرات المتداولة في مصر لما يجري للرئيس مرسي، أن ''عملاً معمول له''، وهذه التفسيرات يمكن أن تصادفها بسهولة على بعض المحطات الفضائية الموالية لمرسي! المصيبة هنا، تكمن في أن يترك هؤلاء العمل الحقيقي، ويركزوا اهتمامهم بـ ''فك العمل''.

بات القرض المؤجل أو المتعثر أو الصعب من صندوق النقد الدولي لمصر، ''نجم'' الاقتصاد والسياسة في البلاد. فالذي يتناول حيثياته وتداخلاته وطبيعته، ليس مرسي ولا رئيس وزرائه ولا المسؤولون المكلفون في متابعة القرض فقط، بل أيضاً ''صبيان'' المقاهي. والمثير أن بعض هؤلاء، أعطوا شرحاً يوازي قيمة الشروحات المقدمة من المختصين على صعيد القرض المنشود. وفي بعض الأحيان يفوقها قيمة! وليس غريباً (بالفعل) أن يطلق أحد ''صبيان'' المقهى حواراً قسرياً معك حول هذا الأمر، إذا ما عرف أنك كاتب. وليس صعباً، أن تعثر على نقاط ذات قيمة من كلامه. بما في ذلك، تأكيداته على ضرورة أن ''تمسك البلد'' حكومة ''تكنوقراط'' احترافية، في المرحلة الراهنة، تُبعد اقتصاد البلاد عن آثام ''أخونة'' المؤسسات والسياسات، وعن مضار الصراع السياسي، خصوصاً أن مرسي لا يستطيع أن يدعي تمسكه بأغلبية ساحقة أو كبيرة. فقد وصل إلى الحكم بفارق ضئيل جداً، مستفيداً من خوف كامن في الشارع المصري، من أي شخصية حُسبت في يوم من الأيام على نظام المخلوع حسني مبارك. فهو في الواقع استفاد من هذا الأخير بصورة مباشرة.

ومن المفارقات أن مرسي ونظامه، الذي يعيش أحلك أيامه الاقتصادية (والسياسية أيضاً)، وجد ضرورة لـ ''مغازلة'' فلول نظام مبارك من رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال، بصرف النظر عن نظافة أو قذارة هذه الأموال. فقد أرسل لهم، في زحمة الوصول إلى صيغة مقنعة لصندوق النقد الدولي، إشارات واضحة بالعودة المضمونة إلى الوطن، دون ملاحقات أو اتهامات أو ''تكفير اقتصادي'' إن جاز التعبير. فالذي يطلب من مفتي الجمهورية فتوى تحلل قرض ''الصندوق'' الذي لا يزال في مرحلة الوهم، لا مانع لديه في ''مغازلة'' الشخصيات القبيحة. فهو أمن الفتوى المطلوبة، وينتظر الآن شجاعة هذه الشخصيات. لماذا؟ لأنه ببساطة لا يستطيع الاستمرار في قيادة البلاد، بينما كل الأشياء فيها التي تستوجب الارتفاع تنخفض، والعكس صحيح، كل الأشياء الأخرى التي تتطلب الانخفاض ترتفع. والإخوان (بشكل عام) يحبون الشيطان وقت اللزوم، ومن هذا الحب ما أحيا، وإن قتل.

إن الـ 4.8 مليار دولار أمريكي (مجموع قرض ''الصندوق'')، بات المحور الاقتصادي الرئيس عند الرئيس في مصر. ولذلك كان على حكومة مرسي أن تقدم برنامجاً اقتصادياً مقنعاً لـ ''الصندوق''، لتسهيل الوصول إلى القرض. وهذا البرنامج، هو عبارة عن توقعات مالية للحكومة، وفقاً للخطة المعدلة، التي تستند إلى إجراءات متعلقة تعتزم الحكومة تنفيذها. وإلى أن يأتي وفد ''الصندوق'' إلى مصر، على الرئيس المؤمن مرسي، أن يمهد الطريق بما يملك من قدرات وعروض، وقبل هذا وذاك، بما يمكنه أن يحقق على صعيد إزالة المخاوف والشكوك التي تحوم حول جودة إدارته للبلاد. فالقرض متوفر لكنه ليس جاهزاً بعد، والمشكلة التي تواجهها حكومة مرسي، هي المواءمة بين رضا ''الصندوق'' ورضا المواطن المصري. فما يُرضي الأول غالباً لا يُرضي الثاني. ورغم ''سطحية'' النظام القائم في مصر، في فهم السياسة والتاريخ، إلا أن استعادة أحداث 18 و19 كانون الثاني (يناير) عام 1977 من الذاكرة لا تحتاج إلى خبير. والإعفاءات الضريبية التي تضمنها البرنامج المقدم لـ ''الصندوق''، قد لا تكون ضامناً لرضا المواطن، خصوصاً في ظل تآكل مفرط للوضع المعيشي لهذا المواطن.

يعتقد رئيس الوزراء هشام قنديل، الذي قال يوماً :''لا أعرف، بس أنا متأكد، مع إني كنت شاكك''، أن بإمكانه رفع احتياطي البلاد من القطع الأجنبي إلى 19 مليار دولار بنهاية شهر حزيران (يونيو) المقبل، بعد أن تآكل هذا الاحتياطي ليصل مع بداية العام الجاري إلى 13.9 مليار دولار، بسبب النجدة المتواصلة للجنيه المتراجع. لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فضلاً عن أن قيمة قرض ''الصندوق'' لن تكون كافية لسند الاقتصاد الوطني لمدة طويلة. والحقيقة أن هذا القرض معرض للامتصاص الفوري، من اقتصاد بات مثل الفهوات السوداء في الفضاء. دون أن ننسى، أن القروض التي تنفع في دولة، ليس بالضرورة أن تكون نافعة في دولة أخرى، خصوصاً في مصر، التي يوجد فيها الآن من يعتقد أن الرئيس ''معموله عمل''.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات