عاجل

البث المباشر

وكالة الطاقة الدولية لم تُفِدْ مؤسسيها

وكالة الطاقة الدولية لم تُفِدْ مؤسسيها

تحاول وكالة الطاقة الدولية منذ إنشائها قبل ما يقارب 40 عاماً أن تذكرنا دائما بأن ارتفاع أسعار النفط هو أكبر مصدر قلق للاقتصاد العالمي. وهي نغمة اعتدنا على سماعها منذ اكتشاف النفط عندما كانت الأسعار مُتدنية إلى حد كبير. ولا ندري متى يأتي الوقت الذي لا تكون فيه الأسعار مصدر قلق عالمي! كما نلاحظ وجود تناقض عجيب في مجال الاقتصاد والتبادل التجاري بين الشعوب. فارتفاع أسعار السلع المختلفة والأجهزة والمعدات يُنعش الاقتصاد وأسعار النفط تُسبب قلقاً لهم. ولو كان إنتاج النفط محصوراً على الدول الكبيرة المهيمنة على السوق النفطية لسمعنا كلاماً غير ما تقوله وكالة الطاقة، أو ربما لن تكون هناك حاجة لهذه المؤسسة الدولية، التي كان الغرض الرئيس والحقيقي من إنشائها هو متابعة خطط وسياسات الدول المنتِجة خارج منظومة الدول المؤسسة لها، إضافة إلى إجراء الدراسات والبحوث التي تساعد تلك الدول على إعداد استراتيجيات مستقبل اقتصادهم. ونحن نشك في أن وجودها منذ تأسيسها، بتوجيه من وزير الخارجية الأمريكية السابق هنري كسنجر، قد أتى بخير أو فائدة حتى بالنسبة للدول التي كوَّنتها. فقد كان من المفروض أن وكالة الطاقة الدولية تكون عوناً للدول المؤسِّسَة لها على تفهُّم حال السوق النفطية على حقيقتها دون لف أو دوران وتزييف للحقائق من أجل مصالح شخصية من دولها. وكان الأهم في مهمتها التنبؤ بمستقبل مصادر الطاقة على مستوى العالم، حتى يكون لديهم مجال مُريح للتخطيط السليم، وهو ما لم يحدث حسب ما نعتقد. وأقرب مثال على ذلك عدم إدراكها احتمال صعود الأسعار خمسة أضعاف خلال مدة لا تتجاوز خمسة أعوام، قُبيل منتصف 2008. والسبب أن الوكالة تبني بحوثها ودراساتها الاستراتيجية، كما يظهر من تقاريرها، على معلومات وأرقام غير مؤكدة، فتظهر النتيجة مُهيمنة عليها الضبابية. وأحياناً يسيطر على نشاطها جهات لا يهمها سوى مصالحها الفردية، وخصوصا في زمن جورج بوش الابن. وخبراء وكالة الطاقة حتما لديهم خلفية قوية عن تاريخ إنتاج النفط في كل دولة من الدول المصدِّرة، وقد عاصروا نمو احتياطياتها النفطية خطوة بخطوة. ولا بُد من أنهم لاحظوا ارتفاع احتياطي البعض منهم في مناسبات لم يصاحبها اكتشافات جوهرية جديدة. وفوق ذلك تظل أرقام الاحتياطيات عدة عقود دون تغيير. ومع ذلك فإن خبراء وكالة الطاقة الدولية تستشهد بتلك الأرقام المُتداوَلة دون حرج. وهي لا تُكلف نفسها عناء التحقق من صحتها ولا من المقدرة الإنتاجية الحقيقية لكل دولة. فلو افترضنا أن أرقام احتياطي دولة ما كانت فعلاً مُضخمة، فإن ذلك يُقلل من أهمية تقارير الوكالة ولا تكون دراساتها ذات قيمة، ولا يصح أخذها على محمل الجد واستخدامها كأساس للمخططات الاستراتيجية للدول المعنية.

وإصدار مثل هذه التصريحات عن تأثير الأسعار على الاقتصاد لا معنى له، فهولا يُقدم ولا يؤخر، خصوصاً في الحالات التي يكون فيها المعروض النفطي قد أوشك على بلوغ ذروته أو الحد الأعلى للإمكانيات المتوافرة. وهذا إذا لم يكن قد حصل اليوم فهو قريب الوقوع، على الرغم مما يُشاع من ارتفاع في الإنتاج الأمريكي والنشاط الجديد في مجال إنتاج النفط غير التقليدي من صخور السجيل، الناتج من استخدام ما يُسمى بعملية التكسير الهيدروليكي. ولعله من نافلة القول أن نذكر أن التوسع في هذا النوع من الإنتاج يخضع لاعتبارات كثيرة، أهمها الشروط البيئية القاسية. وحتى في أحسن الظروف، فإن مستوى كميات الإنتاج من النفط غير التقليدي تكون عادة متواضعة ولا تُقارَن بإنتاج النفط التقليدي الذي كان ولا يزال يتدفق بكميات كبيرة في معظم الحالات وبتكلفة ضئيلة نسبياً.

والخُلاصة أن وكالة الطاقة الدولية لم تقم في نظرنا بواجبها على الوجه الأكمل بالنسبة لما كان متوقَّعاً من إنشائها، فهي لم تؤثر قط على سياسات الدول المُنتِجة لصالح الدول المستهلكة، وإذا كانت قد أمدت دولها بمعلومات عن مستقبل المصادر النفطية فهي حتماً عديمة الفائدة. ولم تخلُ دراساتها وبحوثها في معظم الأوقات من عدم المصداقية. وهناك الكثير من الدول والمؤسسات التي تنظر إلى تقارير ودراسات وكالة الطاقة الدولية على أنها عمل احترافي يستحق النظر، وهذا واضح من المتابعة التي تحظى بها الوكالة. وهو ربما كذلك، لولا وجود بعض الشطحات وغياب الدقة في المعلومات، وهذا مما لا يساعد على معرفة الحقيقة، ولذلك لا نرى حراكاً لا عالمياً ولا فردياً نحو اتخاذ الحيطة من مستقبل قد يفاجئ الجميع، ولا ندري متى تتضح الصورة ويتبين أن العالم الآن أصبح على حافة هاوية فيما يتعلق بمصادر الطاقة، وكل ما يحتاج الأمر هو حدوث نقص متواضع في إمدادات الطاقة وهو وشيك الوقوع. عندها ستأخذ أسعار النفط مساراً تصاعدياً يربك الاقتصاد العالمي كما لم يحدث من قبل. ولعدم وجود خطط استراتيجية مُعدة سلفاً، فسوف يتأزم الوضع مع مرور الوقت لأن الشحَّ في مصادر الطاقة، أو منبع الحياة، سيزداد سوءًا إلى ما شاء الله. وهذا دون أي جدال بسبب الاعتماد على مصدر واحد قابل للنضوب والإسراف الكبير في استخدامه كأنه باقٍ إلى الأبد. مع أنه كان هناك مجال واسع للاستعداد لما بعد النفط لو أن المؤسسات الدولية المعنية بمتابعة الإنتاج النفطي لم تسيطر عليها البيروقراطية، حيث ظلت تقاريرها وتوصياتها عديمة الفائدة لم تتغير أو تتجدد مع اختلاف الظروف. وكان جُلّ اهتمامها ومركز ثقلها يميل إلى الحديث عن المتغيرات المتوقَّعَة الآنية، أي التي ستحدث خلال الأشهر القليلة المقبلة، وهي أمور لا تقدم ولا تؤخر.

وغالباً ما يعترض البعض على ذكر النضوب المبكر للثروة النفطية، وعلى رأسهم وكالة الطاقة الدولية، على اعتبار أنه لا تزال هناك كميات هائلة من أنواع النفوط لم تُستغل بعد، ويذكرون منها غير التقليدي مثل النفط الصخري والثقيل والرمال النفطية، وهذا فيه شيء من الصحة، ولكنها لا تُقارن بحال من الأحوال بوفرة إنتاج النفط التقليدي وسهولة استخراجه ويسر التعامل معه، وهو الوحيد الذي يظل مقياساً لتوافر مصادر كافية ومأمونة للطاقة. ومن شبه المستحيل أن نستطيع تعويض النقص في إنتاج النفط التقليدي من غير التقليدي لأسباب كثيرة، ليس أقلها صعوبة الإنتاج والتكلفة العالية والعوامل البيئية المصاحبة.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات