عاجل

البث المباشر

استثمار الميزانية بمكافحة الفساد

إن الفساد ظاهرة عالمية تُمثل سلوكيات شاذة وغير مرغوب فيها، وتكمن خطورته في تأثيره السلبي على إيقاف عجلة التنمية، وهدم القيم الاجتماعية، وعدم تكافؤ الفرص لأبناء الوطن في الحصول على الخدمات المختلفة. ومن مظاهر الفساد المتفشية: الرشوة والتزوير واستغلال النفوذ وسوء استخدام السلطة بما يخدم المصلحة الشخصية لدى المسؤول والواسطة وغيرها.

ويعلم الجميع أن مكافحة الفساد ليست مهمة خاصة بجهة حكومية، بل تقع المسؤولية على جميع أفراد المجتمع بتضافر جهودهم للقضاء على مصادره، وأساليبه، وكشف المفسدين ماليا وإداريا.

وقد فتح خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـــ يحفظه الله ـــ للمواطن آفاق الإصلاح ومحاربة الفساد عن طريق تأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد؛ بهدف تحقيق النزاهة في جميع المؤسسات الحكومية منها والخاصة، لتنعكس إيجابا على التنمية بشكل عام وراحة المواطن بشكل خاص من خلال تقديم الخدمات المختلفة بدرجة عالية من الكفاءة في القطاعات كافة، ولعل المواطن رأى التحرك الفاعل من الهيئة خلال الفترة الماضية وهذا مؤشر جيد.

وفي تصريحٍ لرئيس مكافحة الفساد بعد إعلان ميزانية هذا العام قال: إن الميزانية حملت في طياتها اعتمادات مالية كبيرة جدا استهدفت المواطن بشكل خاص من خلال الخدمة التي سيشعر بتغيّرها للأفضل في كثيرٍ من الأجهزة الحكومية، مؤكدا أهمية الرفع من مستوى الأداء والشفافية والنزاهة لدى الإدارات التنفيذية التي تتولى إجراءات التنفيذ وترسية المنافسات ومتابعة المقاولين.

والرسالة التي أوجهها إلى رئيس هيئة مكافحة الفساد بعد شكره والتي هي لسان حال مجتمع بأكمله هي: ''إنني كمواطن آمل أن أرى التغيير الذي ينعكس على جميع الخدمات التي أنتظرها كتطوير الخدمات الصحية والتعليمية والإسكان والنقل والفرص الوظيفية وغيرها''.

ولن يتأتى ذلك إلا بتضافر الجهود كما أسلفت، وبالعمل الجاد من الهيئة، وتطوير أساليب المراقبة، فالمواطن مهما حاول أن يكشف مظاهر الفساد فلن يصل إلى كثير منه فخبرته قد لا تمكنه من ذلك رغم جهوده، كما أن بعض مظاهر الفساد لا يمكن أن تكون مشاهدة مثل المشاريع التي تُعطى للشركة المنفذة، وتقوم بدورها بتمرير المشروع من ''الباطن'' على شركات أقل كفاءة بل أحيانا لا تهتم بالمواصفات والمقاييس للمشروع مما ينتج عنه ذلك سوء التنفيذ وتأخيره، وهذا مجرد مثال لمظاهر أخرى قد ينتهج أصحابها أساليب إبداعية في ممارسة الفساد، وهنا يجب أن تنتهج هيئة مكافحة الفساد أساليب مضادة وأكثر قوة مثل العينات العشوائية والشروط الجزائية بحيث يتم اختيار عينة عشوائية كل فترة من المشاريع المدرجة ضمن قاعدة البيانات لدى الهيئة ومراقبة ذلك وإيقاع عقوبات رادعة على من خالف أو تجاوز النظام والتشهير به، ولا تنتظر البلاغ من المواطن، وكذلك التأكد من كيفية ترسية المشاريع فقد يُساء استخدام السلطة لدى بعض المسؤولين في إعطاء المشاريع بغض النظر عن الجودة لصديق أو قريب، وينسحب ذلك على التوظيف وغيره من الخدمات.

ويجب تمكين الإعلام النزيه بشكل أكبر وإعطاؤه جميع الصلاحيات كي يشارك بطريقة فاعلة في كشف الفساد أيًّا كان نوعه من خلال الاطلاع على الخطط لتلك الجهات ومراحل تنفيذ المشاريع، ومدى مطابقتها المواصفات المطلوبة.

ولا شك أن المواطن يشعر بالأسى عندما يرى دعم الخدمات الصحية ولا يجد سريرا فيتساءل، وعندما يرى اعتمادات وزارة التربية ويعمل في مدارس مستأجرة فيستغرب, وعندما يرى دعم الإسكان وهو قد أكمل عقده الأربعين متنقلا من مسكن إلى آخر بنظام الإيجار فيتألم، وعندما يرى مخصصات النقل والطرق ويقود سيارته على طرقات رملية فيسأل: من المسؤول عن ذلك؟ وهل وصل الفساد إلى درجة كبيرة لدى البعض؟ هل انهارت القيم والأخلاق والمسؤولية الاجتماعية؟

إن السعي إلى أماكن الفساد ومحاربته مطلب ضروري، وخدمة وطنية، وأمانة، على الجميع بشكل عام وعلى كل مسؤول وموظف في الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بشكل خاص، فقوة الهيئة وإجراءاتها الرادعة طريق إلى النزاهة وبالتالي إلى التنمية الشاملة.

*نقلا عن الاقتصادية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات