عاجل

البث المباشر

هل ستؤثر أزمة قبرص في الدول العربية؟

كنت في قبرص لفترة قصيرة للعمل في مقر وكالة رويترز لإفريقيا والشرق الأوسط، قبل انتقاله إلى لندن في عام 1996. وهذه الجزيرة رغم أنها مقسمة إلى قسمين منفصلين ومستقلين، واحد تقطنه غالبية تركية والآخر غالبية يونانية وأن عاصمتها - نيقوسيا - منقسمة تقريبا إلى نصفين، فإن أغلب الناس تنظر إلى الجزء اليوناني وكأنه يمثل قبرص برمتها.

وكان عندئذ - أي قبل عقد ونيف - الجانب اليوناني من نيقوسيا في بحبوحة يزهو ويزدهر وكأنه بقعة من أوروبا، أما الجانب التركي من العاصمة فكان لا يزال بقعة من العالم الثالث، حيث لا أثر يذكر للتطور والعمران فيه.

بيد أنك كلما حاولت النظر إلى الجانب التركي كان لا بد لنظرك أن يقع على رسم كبير على ظهر الجبل المطل على نيقوسيا لهلال ونجمة بيضاء تحيطهما مساحة مربعة كبيرة بالأحمر - وهو علم تركيا - وكتابة بالتركية ترمز إلى الجمهورية التركية لشمال قبرص - لم يعترف بها أحد غير تركيا.

وكان كثير من الأتراك القبارصة يحسدون أقرانهم من القبارصة اليونان لارتفاع مداخيلهم ورغد عيشهم، وبدا عندئذ أن مستقبلهم ومستقبل الجزء القبرصي الذي يعيشون عليه مستقبل حالك ما داموا مرتبطين بتركيا.

وتقاطر الأجانب وانهمرت الأموال على الجزء اليوناني من قبرص وبدأت مراكز الأبحاث والمصارف الدولية تتحدث عن معجزة قبرصية اقتصادية، وصار الجزء اليوناني عضوا في السوق الأوروبية والاتحاد الأوروبي.

وأخذ الناس ينظرون إلى هذا الجزء وكأنه جنة الله على الأرض. واتسع قطاعه المصرفي إلى درجة أن حجم الودائع صار سبعة أضعاف حجم الاقتصاد البالغ نحو 18 مليار يورو. هذه الأرقام كان يسوقها البعض كمثال على متانة الاقتصاد إلا أنها في حقيقة الأمر كانت تشير إلى خلل كبير في تركيبته. والخلل الآخر كان سكانيا - أي ديموغرافي - حيث إن نحو نصف السكان من الأجانب.

ولكن هذا الازدهار لم يستمر طويلا. اليوم وبعد مضي 12 عاما على وجودي هناك تمر البقعة اليونانية من الجزيرة بأزمة تفوق ما تعانيه اليونان بأضعاف.

والخيارات المفتوحة أمام قبرص اليوم أحلاها مر. من كان يتصور أن يصل الوضع إلى احتمال فرض ضريبة (استقطاع) بنسب تصل إلى نحو 10 في المائة على مدخرات الأشخاص في المصارف نفسها؟ حتى كتابة هذا السطور يبدو أن قبرص تترنح وأن سقوطها أي إشهار إفلاسها أمر لا مفر منه. إن تجنبته هذه المرة قد لا تستطيع في المرة القادمة.

هناك هلع في الجزء اليوناني من الجزيرة لأن الناس لم تعد تأتمن المصارف التي أقرضت بلا حساب وبفوائد عالية جدا، وسرعان ما رأت أنها لا تستطيع حتى استرجاع جزء من المبالغ التي أقرضتها. المصارف مقفلة لعدة أيام والسحوبات محددة جدا أو غير ممكنة. قد لا يعلم البعض مدى خطورة إقفال المصارف. مهما كان رأينا في المصارف إلا أنه لا اقتصاد في عالم اليوم دونها. ولا أظن أن الأزمة ستقتصر على قبرص لأن ما يحدث يؤشر إلى سابقة خطيرة أدخلت الهلع في قلوب الناس في أوروبا التي كانت حتى الآن تعتقد أن المدخرات في المصارف لا خوف عليها أبدا.

أما الجانب التركي من هذه الجزيرة الذي كان يستهزئ به وباقتصاده القبارصة اليونان وآخرون، فإنه هو الذي يزهو وينعم برغد العيش مستندا إلى اقتصاد صاعد ومتين لتركيا المرشحة أن تصبح واحدا من أكبر عشرة اقتصاديات كبرى في العالم في غضون عقدين.

ما أود قوله في نهاية هذه الرسالة هو أن قبرص بالنسبة إلى وكالة رويترز والعالم الغربي برمته، جزء لا يتجزأ من الشرق الأوسط، وإنني أرى تشابها كبيرا في اقتصاديات قبرص مع بعض الاقتصادات العربية.

*نقلا عن الاقتصادية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة