عاجل

البث المباشر

ذكريات على هامش أزمة اقتصادية!

رغم أزمتها الاقتصادية فأنا ما زلت معجباً بقبرص، ومتأكدا من أنها ستتجاوز أزمتها وتنجح، لأنها فضلا عن جمالها الطبيعي فهي تعتبر أوروبا مثالها، وأوروبا متجاوبة.

ما زلت معجبا بالتجربة القبرصية في التطور السياسي والنمو الاقتصادي، على الرغم من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها هذه الجزيرة، والتي نتجت - إلى حد كبير - من إقراض المصارف القبرصية للحكومة اليونانية مبالغ تعادل %160 من الناتج المحلي لقبرص. وإعجابي بالتجربة القبرصية راجع الى مراقبة تغيّرات طرأت على هذه الجزيرة، امتدت إلى حوالي أربعة عقود. فقد كانت زيارتي الأولى في ابريل من عام 1973، عندما قررت والصديقان عبدالعزيز الزامل والمرحوم فهد الشايع أن نهرب بعض الوقت من ضجر إغلاق الجامعة، وفرض منع التجوال الذي فرض على بيروت نتيجة للقتال بين الجيش اللبناني والفدائيين الفلسطينيين. آنذاك، كانت تذكرة الطائرة تكلف 45 ليرة لبنانية أو ما يعادل خمسة دنانير كويتية. كان قرب الجزيرة واختلافها، وجمالها مفاجأة غير متوقعة، جاءت بعد توقف للدراسة وتوتر أصاب كل بيروت. كان هذا التوتر سابقا للحرب الأهلية في لبنان التي اندلعت في أبريل عام 1975.

وكانت زيارتنا لقبرص، قبل سنة من حربها الأهلية هي نفسها التي نشبت بعد انقلاب عسكري أعلن انضمامها إلى اليونان، مما أدى إلى احتلال جزئها الشمالي من قبل الجيش التركي. لذا كان انسيابنا سهلا بين مدن شملت: نيقوسيا ولارنكا وليماسول وفماغوستا، وكايرنيا. والأخيرتان أصبحتا بعد حرب 1974 بين القبارصة الأتراك واليونانيين ضمن الجزء التركي من قبرص. وعندما أحاول أن أقيس مدى التغيرات التي طرأت على مدن هذه الجزيرة، أجد أن أعظمها أصاب مدينة ليماسول، التي أصبحت العاصمة المالية لقبرص، والتي استقر فيها معظم الروس الذين جعلوا من قبرص وطنا ثانيا لهم. فقد كانت هذه المدينة أشبه بقرية مقارنة بنيقوسيا العاصمة، أو فماغوستا في الشمال الشرقي. لكن المدينة التي وجدت مستقرا أعمق في ذاكرتي كانت مدينة كايرنيا بمينائها القديم الذي تحيط به سلسلة جبلية، والتي كان القمر يطل علينا من خلفها في تلك الليلة التي أمضيناها فيها.

وإعجابي بهذه الجزيرة - التي تمر حاليا بأكبر أزماتها الاقتصادية - نابع من كون أنها استطاعت أن تبني نظاما سياسيا واقتصاديا ناجحا، على الرغم من صغرها وقلة مواردها الطبيعية. فمساحتها تقل عن عشرة آلاف كيلو متر مربع، ثلثه أصبح شبه مستقل تحت الحماية التركية. وعندما نتحدث عن فقر مواردها الطبيعية، لا نتحدث عن نفط ومعادن فقط، وإنما فقيرة حتى في ثروتها الزراعية ومصادر المياه. فثروتها الوحيدة هي اعتدال مناخها، وشروق شمسها وسواحلها التي تمتد إلى ما يزيد على 600 كيلو متر. فما كان من القبارصة اليونانيين إلا أن يسوقوا الشمس والسواحل إلى الطبقة الوسطى في بريطانيا وأوروبا الغربية، وبعدها إلى الروس بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فأصبحت السياحة المصدر الرئيسي للدخل. واستطاعت أن تبني صناعات مكملة وموازية للنشاط السياحي، محققة متوسط دخل للفرد يبلغ 25 ألف دولار في السنة أو ما يزيد على 10 آلاف دولار من متوسط دخل الفرد في لبنان أو خمسة أضعاف متوسط دخل الفرد في مصر. وما يميز التجربة القبرصية هو اتساع شريحة الطبقة الوسطى وندرة الفقر.

أما سياسيا، ومنذ انفصال الجزء الشمالي عام 1974، فلم تشهد قبرص - أبدا - ما يعكّر استقرارها. ونظامها رئاسي، يتم تداول السلطة بين أحزاب يسارية إلى يمينية بسلاسة ووئام. لذا، فعندما يقرر الأوروبيون منح قبرص ضمانات بقيمة 10 مليارات دولار، فهذا يدل على ثقتهم بمستقبل هذه الجزيرة. فهل من دولة عربية - غير نفطية - يمكن أن تمنح ضمانات بهذا الحجم؟! لم تستطع مصر الحصول على قرض من البنك الدولي بعد بمبلغ 1.5 مليار دولار. وما زال في بنوك قبرص ودائع تعادل 70 مليار دولار. إنها جزيرة فقيرة يبلغ سكانها حوالي 1.1 مليون نسمة، تفوّقت في تطوير نظام سياسي واقتصادي يسمح للجميع بخوض آفاقه - لا شك في أنه ستكون هناك بعض المعاناة من هذه الأزمة - لكنه قادر على أن يُصحّح نفسه. وعندما تكون أوروبا مثاله يكون احتمال نجاحه أكبر.

*نقلا عن صحيفة القبس الكويتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات