عاجل

البث المباشر

هل من حل قبل الارتفاع المتصاعد للإيجارات؟

لعل أكبر مشكلة نواجهها اليوم وغدا هي مشكلة السكن، لا أقول العقار بل أقول السكن، لقد تأخرنا في حل هذه المشكلة أكثر مما ينبغي، سيكون علينا من الآن مواجهة القرارات الصعبة وعلينا أن نسخر كل إمكاناتنا من أجل حل هذه المعضلة. القرارات في المستقبل تنشأ من قراءة الحاضر، على الرغم من أن هذا الحاضر لن يكون كما هو غدا لكن ليس أمامنا خيار سوى أن نتنبأ بالاتجاهات ونتخذ قرارات. ستتسبب قراراتنا في تغير الاتجاه الحالي لا محالة وعلينا أن نعود لنقرأ الواقع في حينه ونتخذ قرارات جديدة.

قبل عقد من الزمان حذرنا من مغبة الانفلات الذي أصاب السوق المالية وأن حجم السوق لا يتناسب مع حجم النقد الذي قامت المصارف بضخه في السوق. "أوقفوا البنوك" كانت أصدق عبارة صرخنا بها، ومع ذلك لم يتم اتخاذ قرار مناسب في حينه حتى حلت الكارثة على المواطن البسيط الذي جرب حظه الاستثماري في غير وقته وفي سوق مضطربة جدا. إصلاح السوق استغرق وقتا أطول مما يجب حتى فقد الكثير من الناس حسن ظنهم في السوق المالية والاستثمار فيها، ولهذا اتجه الجميع طوعا أو كرها إلى سوق العقار، وعادت المصارف تضخ النقد بلا حسيب ولا رقيب وحذرت حينها بمقالات لم أعد أستطيع عدها، تحدثت عن فخ العقار القادم والاقتصاد الذي ينجرف، ودور الأمانات الخطير في صناعة فقاعة عقارية خطيرة، حتى بلغت الأسعار ذروتها وتحولت المشكلة إلى أزمة لا مخرج منها اليوم. لست متشائما، لكن الرأي المختص يحتاج إلى صدق، فالوقت ليس في صفنا هذه المرة.

لقد تحولت الأزمة العقارية التي أصابت الاقتصاد إلى أزمة سكن، وإذا لم تعمل الحكومة، خاصة وزارة الإسكان بسرعة وقوة لحل هذه المشكلة فإننا سنتحول إلى أزمة أكبر وأوسع. كتشخيص للمشكلة فإن الارتفاع في أسعار العقار بسبب ما قامت به المصارف من ضخ للسيولة بلا حساب ولا تثمين ولا تأمين، رفع الأسعار إلى أرقام قياسية جعلت من المضاربة في الأراضي البيضاء مجدية اقتصاديا أكثر من الاستثمار، وحتى تلك المباني المطورة أصبحت مع الوقت بأسعار خيالية، ثم لما عادت المصارف لتصحيح الخطأ بفرض مقدم 30 في المائة، أصابت السوق صدمة عرض، ذلك أنه من المستحيل على موظف شاب أو غيره أن يوفر 30 في المائة من سعر سكن بلغ أكثر من 1.6 مليون ريال، ولهذا وقع القطاع العقاري في زيادة العرض وفخ التباطؤ الحاد، ثم جاء قرار الرسوم على الأراضي البيضاء لإيجاد حالة من القلق حدت من حركة البيع بشكل واضح. وهكذا لم يعد الشاب يستطيع أن يشتري عقارا، ولم يعد أهل العقار راغبين في التطوير لعدم وجود مشترين وأصبحت العوائد تتناقص بشكل حاد حتى وصلت إلى 4 في المائة بل أقل. وهكذا أصبح الحال، لا استثمار مجديا بسبب ارتفاع تكلفة الاستثمار "وصلت بعض المباني الاستثمارية في الأحياء إلى أسعار وصلت إلى أربعة ملايين ريال وهي مكونة من ست وحدات" وقلة العائد ولا بيع مجديا بسبب عدم وجود مشتر نهائي له القدرة المالية الكافية لشراء المعروض كافة. فما الذي نتوقع حصوله في المستقبل؟

مرة أخرى وكما هو الحال دائما سيفرض الاقتصاد الكلاسيكي شروطه، من المتوقع دائما في مثل هذه الحالات أن تحدث إحدى حالتين: الأولى: أن تتراجع الأسعار إلى درجة تجعل عوائد الاستثمار الحالية مقبولة ما يحفز الاستثمار والشراء والبيع، وهذا عندي مستبعد في السوق العقارية، ذلك أن مفهوم العقار لدينا ليس استثماريا بحتا، بل هو يمثل حاجزا نفسيا كبيرا، فالعقار هو الابن البار كما يقال ويمرض ولا يموت، "وأرض لا تأكل ولا تشرب تبيعها ليه". هذه هي أعراف السوق، والعقار يمثل في السوق السعودية ملاذ أمان للثروة، بل مقياس للثروة، فزيادة العقارات عند الكثير هي تعبير للثروة وبيع العقار يمثل خسارة إلا إذا تم شراء عقار آخر. فمهما تباطأت السوق لا أتوقع حدوث عمليات بيع واسعة تتسبب في تراجع الأسعار بحدة حتى تصل الأسعار إلى مستويات تجعل الاستثمار والشراء في العقار مجديا اقتصاديا "إلا إذا حدثت مشكلة في القطاع المالي برمته".

الاحتمال الثاني وهو ما أتوقعه فعلا: هو أن يتباطأ الاستثمار في العقار بشكل كبير نظرا لضعف العوائد مع استمرار النمو السكاني والطلب من الشباب على السكن، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى عودة العوائد إلى الارتفاع "عوائد الإيجارات" حتى حدود تحفز مزيدا من الاستثمارات. وهنا الكارثة التي أحذر منها اليوم. وبعبارة أخرى فإنني أرى أن الأسعار لن تتراجع وستقبل الاستثمار أن يتراجع في العقار أكثر وأكثر حتى لا يجد الشباب سكنا متاحا ولا يجد أصحاب المحال التجارية محال جديدة لهم وسيؤدي الأمر في النهاية إلى ارتفاع حاد جدا في الإيجارات "لقلة المعروض وزيادة الطلب" بشكل يجعل من العوائد على العقار ترتفع إلى أكثر من 10 في المائة، ما يجعل المجتمع يقبل بالمستويات المرتفعة لأسعار العقارات وتتجه مرة أخرى للاستثمار.

ما المشكلة التي أحذر منها، رغم أن هذا السيناريو يبدو مناسبا لأصحاب الثروات والعقارات إلا أنه كارثي للاقتصاد، فإذا كانت الحكومة تتجه إلى تطبيق رؤية المملكة 2030، وهي تقتضي في جوانب عدة التخلي عن الدعم، وقضايا أخرى كثيرة، فإن ارتفاع الإيجارات إلى نسب تزيد على 50 في المائة من أسعارها الحالية، فإننا سنصاب بصدمة عرض، بمعنى أن السكن وإيجاراته وإيجارات المحال التجارية ستستحوذ على أكثر من 60 في المائة أو تزيد من دخل المواطن، ما يؤدي إلى إحجامه عن شراء باقي مستلزمات حياته، فضلا عن القيام بنزهات سياحية داخلية أو تغيير أثاث منزله أو دفع فاتورة اتصالاته، وبهذا ستصاب الأسواق بصدمة العرض حيث العروض ضخمة والقدرة الشرائية ضعيفة، وهذا سيتسبب في مشاكل على المحال التجارية وسنجد من الصعوبة تحقيق رؤية المملكة فيما يتعلق بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة لارتفاع الإيجارات أو للأسر المنتجة، فضلا عن تحفيز الادخار والاستثمار في سوق الأسهم.

لهذا كله لا بد من حملة قوية جدا لحل مشكلة السكن، لا بد للصندوق السيادي نفسه أن يقوم بإنشاء شركة عقارية عملاقة تقوم بنفسها بتطوير مخططات جديدة "وليس شراء المعروض حاليا" وبناء سكن من شقق بأعداد كبيرة جدا والآن وليس غدا.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات