عاجل

البث المباشر

إكليل "حب" بين فيروز والشاعر أنسي الحاج

المصدر: لندن- كمال قبيسي

بعض اللبنانيين يعلمون أن برعم حب أفلاطوني طاهرعميق نما واستمر في الماضي البعيد وفي الحاضر القريب بين فيروز والشاعر والكاتب اللبناني أنسي الحاج، الراحل الثلاثاء الماضي بسرطان في الكبد غيّبه عن الدنيا بعمر 77 سنة، كان في معظمها أسير حب بريء للمطربة التي يؤكدون بأنها بادلته المشاعر.

أمس الخميس ودّع لبنان أنسي الحاج بتأبينٍ حضره في بيروت أصدقاؤه ورفقاء دربه، إضافة لابنيه وأحفاده، مع أكاليل بالعشرات أرسلها من حزنوا على رحيله، إلا أن واحداً منها كان مختلفاً، وعكس الأسى الحزين بطريقة حملت معظم المشاركين بالتأبين الجنائزي إلى الوقوف للحظات أمامه ليقرأوا "أنسي وداعاً.. فيروز" وسط وروده البيضاء.

كان الإكليل بكلماته الثلاث، وهو الذي تنشر "العربية.نت" صورته التي تداولوها في لبنان وفي مواقع التواصل الاجتماعي، من الملهمة الدائمة للشاعر الذي تزوج في 1957 وأصبح أباً وأرملاً وجداً، إلا أنه بقي عاشقاً بالروح من القلب دائماً لفيروز طوال أكثر من 55 سنة.

في المقاعد الخلفية كي لا يراه أحد

وللاختصار، فإن من يبحث عن "أنسي الحاج وفيروز" في خانة البحث بالإنترنت، سيعثر على كثير مما وجدته "العربية.نت" أيضا عن ذلك الحب الطاهر، لكن تبقى دائماً تفاصيل لا يدركها إلا المقربين.

ويبدو أن أنسي الحاج كان يلتقي بفيروز، يحمله إليها حب أفلاطوني صاف تماماً. وكان مدمناً على حضور حفلاتها يومياً حين تحييها، فيجلس في المقاعد الخلفية كي لا يراه أحد، وهناك يغيب وحده في عالم من الحب صنعه لنفسه، ومنه استمد شخصيتها كموحية أساسية لكتاباته.

"أرى الموضوع يكتبني عوض أن أكتبه"

كتب إليها طوال سنوات، وليس عنها أو لها، ما يبدو بوضوح بأنه نابع من قلبه حقيقة، ومما اختارته "العربية.نت" من كتاباته مع شيء من الاختصار يقول: "بعض الأصوات سفينة وبعضها شاطئ وبعضها منارة، وصوت فيروز هو السفينة والشاطئ والمنارة، هو الشعر والموسيقى والصوت، والأكثر من الشعر والموسيقى والصوت، حتى الموسيقى تغار منه".

وكتب مرة: ".. وعندما أكتب عن فيروز أرى الموضوع يكتبني عوض أن أكتبه، ويملؤني إلى حد أضيع معه في خضم من المعاني والصور والأفكار، لا أعود أعرف كيف أبدأ ولا أعود أرغب أن أنتهي. وغالباً ما قيل عن كتاباتي عن فيروز إن فيها مبالغات، وأقسم بالله أن ما يراه البعض مبالغات ليست في الواقع غير شحنات لفظية صادقة".

أحبها بإرهاب

وأحد أهم مقالاته إلى فيروز، واحد كتبه بعنوان "أحبها بإرهاب" وفيه يقول: "في حياتنا لا مكان لفيروز، كل المكان هو لفيروز وحدها. ليكن للعلماء علم بالصوت وللخبراء معرفة، وليقولوا عن الجيِد والعاطل، أنا أركع أمام صوتها كالجائع أمام اللقمة، أحبه في جوعي حتى الشبع، وفي شبعي أحبه حتى الجوع".

كتب أيضا: "أقول "صوت فيروز" وأقصد "فيروز" تلك المرأة اللامحدودة العطايا، التي ليس لجمالها نهاية، كلها بكاملها، متحركة وجامدة، كلها، بأصغر تفاصيلها. إني لا أعرف فنا غيرها، وأحبها بإرهاب، أي بالشكل الحقيقي الوحيد للحب".

وبين ما كتب، يقول: "ليتني أستطيع أن ألمس صوتها، أن أحاصره وألتقطه كعصفور، كأيقونة، أن أكتنفه وأشربه وأكونه، أن أصير هو (..) إن ما يحدث لي تجاه صوتها ليس فعل السحر، إنه اجتياح، إنه فعل الاتحاد التام، عندما أسمعها أصبح إنسانا ناقصا صوته، أصبح بصوتها".

عشرات كتبوا عن أنسي الحاج في الأيام الثلاثة الماضية، لكن أحدا لم يتذكر ما يسعده أكثر بعد رحيله، وهو أن يذكره بقصة حب طاهر عاشه وثابر عليه من قرن إلى قرن، وقد لا نتعرف إلى تفاصيله إلا في رواية تتحول ربما إلى مسلسل تلفزيوني.

إعلانات